يتحرك المغرب لصون تراثه الغذائي ضمن مشروع أممي يهدف إلى إصدار أطلس دولي للتراث الغذائي ومنصة رقمية، بعد اختياره في المرحلة التجريبية، على أن تصدر النسخة الأولى في نهاية 2027.
يعدّ المطبخ المغربي واحدا من أغنى المطابخ في المنطقة، إذ تتناقل الأجيال وصفاته وطقوسه منذ قرون طويلة. واليوم يتحرك المغرب من أجل صون هذا الإرث الغذائي وحمايته من الاندثار، عبر مبادرة دولية تهدف إلى توثيق الأطباق التقليدية والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
وتأتي هذه الجهود في إطار مشروع تشرف عليه منظمة اليونسكو، يسعى إلى جمع التراث الغذائي وتوثيقه ضمن أطلس دولي مخصص لهذا الغرض. ويشكل هذا المشروع فرصة لإبراز غنى المائدة المغربية أمام العالم، وربطها بجذورها التاريخية العميقة والمتنوعة.
مشروع أممي لصون الأطباق
وبحسب ما نُشر، أطلق المغرب في الحادي والعشرين من أبريل 2025 مشاورة وطنية تندرج ضمن مشروع أممي للحفاظ على فنون الطبخ والوصفات التقليدية. ويقوم المشروع على إصدار أطلس دولي للتراث الغذائي، إضافة إلى منصة رقمية مرافقة له تعرّف بهذا الموروث.
ويهدف هذا المشروع، وفق ما أُعلن، إلى صون الأطعمة التراثية والتعريف بها وتعميمها على نطاق واسع، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة. وبذلك لا يقتصر الأمر على تدوين الوصفات، بل يمتد إلى حفظ الطقوس والعادات المحيطة بها في الحياة اليومية.
المغرب في المرحلة التجريبية
وقد جرى اختيار المغرب ضمن الدول المشاركة في المرحلة التجريبية من هذه المبادرة الدولية. ويعكس هذا الاختيار المكانة التي يحظى بها المطبخ المغربي، وما يزخر به من أطباق متنوعة تختلف من منطقة إلى أخرى داخل البلاد باختلاف عاداتها.
ومن المقرر، بحسب المعطيات المتاحة، أن تصدر النسخة الأولى من هذا الأطلس في نهاية عام 2027. ويمنح هذا الأفق الزمني الفرصة لجمع أكبر قدر ممكن من الوصفات والشهادات قبل نشر العمل في صيغته الأولى أمام الجمهور.
أطباق من قلب التراث

ويزخر المطبخ المغربي بأطباق باتت رموزا للمائدة الوطنية. فالطاجين، الذي يُطهى ببطء في إناء فخاري مخروطي الشكل، يُحضّر بطرق عدة، من بينها طاجين الدجاج بالزيتون والليمون المخلل، وطاجين اللحم بالبرقوق المجفف الذي يجمع بين الحلو والمالح.
ولا يكتمل الحديث عن هذا الإرث من دون الكسكس، الذي يُعدّ الطبق الوطني وطقسا أسبوعيا في كثير من البيوت. وإلى جانبه تحضر أطباق ذات طابع محلي، مثل البسطيلة المرتبطة بمدينة فاس، والطنجية التي تشتهر بها مدينة مراكش عبر طريقة طهيها الخاصة.
كما تضم اللائحة أطباقا أخرى مثل الرفيسة، فضلا عن أنواع من الخبز التقليدي التي ترافق الموائد اليومية، ومنها المسمّن والحرشة والبطبوط. وتعكس هذه التشكيلة المتنوعة تعدد المكونات والنكهات التي يقوم عليها المطبخ المغربي في مختلف الجهات.
الكسكس على قائمة اليونسكو
ولا يعدّ اهتمام اليونسكو بالمطبخ المغربي أمرا جديدا تماما. فقد سبق أن أُدرج الكسكس عام 2020 على قائمة التراث الثقافي غير المادي للمنظمة، في ملف مشترك جمع المغرب إلى جانب الجزائر وتونس وموريتانيا في اعتراف بقيمته.
ويحمل هذا الإدراج دلالة رمزية كبيرة، إذ يتجاوز الكسكس كونه مجرد طبق ليصبح جزءا من هوية جماعية تتقاسمها شعوب المنطقة. ومن هذا المنطلق يكتسب مشروع الأطلس الجديد أهمية إضافية في مسار الاعتراف بهذا التراث المشترك.
أصوات من الميدان
وشارك في هذه الجهود عدد من المهتمين بالشأن الغذائي، من بينهم الباحث المختص في فنون الطبخ أمين البوجادي. كما حضرت أصوات من العالم القروي، مثل عائشة السلاحي ونعيمة المزيان، اللتين تنشطان في جمعيات وتعاونيات محلية معنية بحفظ الطبخ التقليدي.
لماذا يهم هذا المشروع
تكمن أهمية هذا المشروع في كونه لا يوثق الوصفات فحسب، بل يسعى إلى حماية معرفة تُتناقل شفهيا عبر الأجيال، وقد تتعرض للنسيان مع تغير أنماط الحياة. فتدوين هذه المعارف يمنحها فرصة أكبر للاستمرار والانتقال في المستقبل.
وبينما ينتظر المغرب صدور النسخة الأولى من الأطلس، يبقى الرهان الأساسي هو الحفاظ على مائدة تختصر تاريخا طويلا من التلاقح الثقافي. فالمطبخ المغربي، في نهاية المطاف، ليس مجرد طعام، بل جزء من ذاكرة جماعية وهوية متجذرة في الأرض.





