أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاع حصيلة الحدث الذي وقع في بلدة تل جنوب غرب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية إلى أربعة شهداء فلسطينيين وأربعة جرحى، ثلاثة منهم في حالة حرجة، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. ونقل الشهداء والمصابون إلى المستشفى التخصصي وإلى مستشفى رفيديا الحكومي في وسط مدينة نابلس. وفي الحادثة نفسها، أفاد الإسعاف الإسرائيلي بمقتل إسرائيلي وإصابة ثلاثة آخرين بجروح بين متوسطة وخطيرة، في حدث وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية نفسها بأنه غير معهود.
وبحسب رواية الجانب الفلسطيني وشهود عيان نقلتها قناة الجزيرة، بدأ الحادث عندما اقتحمت مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين بلدة تل وحاولوا محاصرة أحد المنازل، في مشهد وصفه السكان بأنه بات متكررا منذ السابع من أكتوبر. وحاول أهالي البلدة الدفاع عن منازلهم وأراضيهم ومزارعهم وإبعاد المستوطنين وطردهم، فوقعت اشتباكات بالأيدي بين الطرفين قبل أن يتطور الموقف.
وأفاد شهود العيان بأن الجيش الإسرائيلي هو الذي بادر إلى إطلاق النار باتجاه مجموعة الفلسطينيين من سكان بلدة تل، وهو ما أدى إلى سقوط أربعة شهداء وأربعة جرحى في صفوف الفلسطينيين. وبحسب المعطيات الأولية، فإن الشهداء الأربعة من أبناء عائلة واحدة، ومن بينهم أشقاء وأبناء عمومة قتلوا برصاص الجيش والمستوطنين. وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية، وقبلها الهلال الأحمر الفلسطيني، الحصيلة، فيما ظل المشهد يتطور مع استمرار اقتحام الجيش لأحياء البلدة.
وفي خضم هذه المواجهة، تمكن أحد الفلسطينيين من السيطرة على سلاح حارس الأمن التابع لمستوطنة حفات قلعاد، الذي كان برفقة المستوطنين، وأطلق النار باتجاه المستوطنين والجنود الإسرائيليين. وأدى ذلك إلى إصابة أربعة إسرائيليين، في تطور وصفته الجزيرة بأنه غير معتاد في مثل هذه الأحداث التي تشهدها الضفة الغربية، إذ عادة ما تقع الإصابات في صفوف الفلسطينيين وحدهم.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة الثانية عشرة وصحيفة هآرتس، أن من بين الإسرائيليين المصابين ضابطا، وأن أحدهم أصيب بجروح خطيرة للغاية في الرأس أو الصدر قبل أن يعلن الإسعاف الإسرائيلي عن مقتله لاحقا. وحاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية القول إن الحدث وقع خلال جولة للمستوطنين قرب نابلس، بينما يؤكد الفلسطينيون وشهود العيان أن ما جرى كان اقتحاما للبلدة ومحاولة لمحاصرة أحد المنازل والاعتداء على الأهالي.
وتقام مستوطنة حفات قلعاد على أراضي قرية تل، وهي من البؤر الاستيطانية الحديثة العهد التي يشكو منها السكان الفلسطينيون في المنطقة. وعقب الحادث، فرض الجيش الإسرائيلي حصارا مشددا على قرية تل ودفع بتعزيزات عسكرية، وأغلق عددا من الحواجز في قضاء نابلس، كان من أبرزها حاجز المربعة وحاجز سرة وحاجز دير شرف، مع أنباء عن إغلاق حاجزي عورتا والحمرة اللذين يحاصران المدينة منذ السابع من أكتوبر ويقيدان حركة المواطنين الفلسطينيين.
وأصدر رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية بيانا دعا فيه الجيش الإسرائيلي إلى ضبط الوضع، وسط تحريض من المستوطنين على مزيد من القمع للفلسطينيين. ويأتي ذلك بعد أن قال وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس في اليوم السابق إن إسرائيل ستمضي في بناء مزيد من المستوطنات في الضفة والدخول إلى مزيد من المخيمات الفلسطينية. ويعد ما جرى في بلدة تل الحادث الثالث في شمال الضفة خلال أربع وعشرين ساعة، بعد هجوم مستوطنين قرب مستوطنة ألون موريه وطعن جندي إسرائيلي قرب منطقة جنيم شمالي الضفة.
وفي أعقاب الحادث، قررت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الدفع بخمس سرايا إلى شمال الضفة الغربية وتعزيز قواتها في المنطقة، وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن رئيس هيئة الأركان إيال زمير أجرى تقييما للوضع وأمر بتعزيز القوات العسكرية في محيط مدينة نابلس. وأحكم الجيش الحصار على نابلس عبر خمسة حواجز عسكرية رئيسية تتحكم بمداخل المدينة، من بينها حاجز المربعة القريب من بلدة تل على وجه الخصوص، في مدينة تحاصرها الحواجز أصلا منذ السابع من أكتوبر.
ودعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى عملية عسكرية لإخلاء سكان بلدات تل وعراق بورين وبيت فوريك، في ما وصفه بأنه عملية لتطهير البنى التحتية العسكرية في هذه القرى الفلسطينية، وقال إنه سيطلب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السماح بإقامة مستوطنة إسرائيلية على أراضي قرية عراق بورين، معتبرا ذلك الرد الملائم على الحادث. وأفادت وسائل إعلام بأن نتنياهو يبحث سبل الرد في اجتماع مع وزير الدفاع إسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زمير، وسط حشد إعلامي إسرائيلي واسع للدفع نحو عملية عسكرية في شمال الضفة.
وعززت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الرواية الفلسطينية بنقلها شهادات شهود عيان أكدوا أن المستوطنين اقتحموا بلدة تل من جهتها الشرقية وهم مسلحون، وأن الأهالي حاولوا إبعادهم عن منازلهم قبل وقوع الحادث. وأفادت المعطيات بأن القتيل الإسرائيلي هو أحد عناصر فرقة الاستنفار والتأهب في مستوطنة حفات قلعاد، وأن أحد المصابين ينقل في مستشفى إخيلوف بتل أبيب في حالة حرجة للغاية. وامتد التصعيد إلى قرى أخرى في شمال الضفة، إذ أضرم مستوطنون النار في ممتلكات فلسطينية خلال هجوم على قريتي إمتين وفرعة قرب قلقيلية حيث أصيب ثمانية فلسطينيين نقلوا إلى المستشفى وفق الهلال الأحمر الفلسطيني، كما اقتحمت قوات الاحتلال مخيم قلنديا شمالي القدس المحتلة. وامتدت هجمات المستوطنين إلى بلدات عراق بورين وبيت فوريك قرب نابلس وصولا إلى بلدة سيلة الظهر جنوب جنين، حيث قطع المستوطنون بحماية الجيش الطرق واعتقلوا أحد الفلسطينيين، فيما نصب مستوطنون حواجز عند مداخل مدينة نابلس. ودعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى التعامل مع مدن الضفة الغربية وقراها كما جرى في بيت حانون بقطاع غزة.
وفي تطور لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يستعد لتنفيذ عملية واسعة النطاق في الضفة الغربية، وتحديدا في مدينة نابلس والقرى الفلسطينية المحيطة بها خلال الساعات المقبلة، بهدف اعتقال عشرات الفلسطينيين الذين شاركوا في الحدث. وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الجيش منع جنوده العاملين في الضفة الغربية من الحصول على إجازاتهم الأسبوعية استعدادا لهذه العملية، وأنه اعتقل الليلة الماضية عددا ممن يتهمهم بالتحريض في الضفة الغربية. ونشر ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توثيقا لاجتماع ومشاورات أمنية طارئة عقدها مع قيادة الجيش ووزير الدفاع وقادة الأجهزة الأمنية.
وفي المقابل، كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي نتائج تحقيق أولي أفاد بأن الحدث بدأ عندما نظم إسرائيليون من مستوطنة حفات قلعاد زيارة إلى قرية تل، وتحديدا إلى مناطق مصنفة ألف وباء وفق اتفاقية أوسلو وتخضع للسيادة الفلسطينية ويحظر دخول الإسرائيليين إليها قانونا. وأقر التحقيق بأن تنظيم الجولة دون تنسيق مسبق أمر خطير وأنه لا يحق لأي شخص الدخول إلى هذه المناطق كما يشاء، مؤكدا أن إطلاق النار على الإسرائيليين لم يكن مخططا له مسبقا من قبل الفلسطينيين، وأن بعض الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص الجيش شاركوا في السيطرة على السلاح وتبادل إطلاق النار.
وأعلن ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس سلسلة من الإجراءات العقابية عقب الحادث، من بينها هدم منزل الفلسطيني الذي نفذ عملية إطلاق النار في بلدة تل، والعمل بقوة في القرى التي وصفاها بأنها مصدر للإرهاب، وبخاصة جمع السلاح من هذه القرى وسحب تصاريح العمل من سكانها، إضافة إلى الدفع نحو إقامة مزيد من البؤر الاستيطانية في المنطقة.
وفي فترة ما بعد الظهر، بدأت ملامح العملية العسكرية تتضح ميدانيا، إذ دخلت نحو خمس عشرة آلية عسكرية إسرائيلية إلى مدينة نابلس قادمة من حاجز حوارة، وسط حالة توتر شديد في محيط مستشفى رفيديا الحكومي حيث بدأ فلسطينيون بالخروج بذعر، بعد تهديدات إسرائيلية بالوصول إلى المستشفى ومصادرة جثامين الشهداء الذين سقطوا صباح اليوم. وبقيت مدينة نابلس محاصرة بالحواجز العسكرية ومعزولة عن محيطها لساعات طويلة مع استمرار عمليات الاقتحام في القرى المجاورة.
وأفادت هيئات البث الإسرائيلية بارتفاع عدد القتلى الإسرائيليين في حادثة بلدة تل إلى اثنين، بعد أن فارق أحد المصابين بجروح خطيرة الحياة متأثرا بإصابته في الرأس أو الصدر. وفي إطار العملية العسكرية الواسعة، توغلت قوات الاحتلال في عمق مدينة نابلس واقتحمت مستشفى نابلس التخصصي الواقع في منطقة تخضع للسيطرة الفلسطينية بحثا عن مشتبه بهم وعن جثامين الشهداء، واعتقلت أحد المصابين وهو شقيق اثنين من شهداء الصباح إضافة إلى شخص آخر لم تعرف هويته، وسط تنكيل بالمرضى داخل المستشفى، قبل أن تنسحب باتجاه شرق المدينة. وهدد ضابط في جيش الاحتلال عائلة الشهداء بانتزاع جثمان أحدهم واحتجازه حتى لو دفن في مكان آخر، فيما زار رئيس جهاز الأمن العام الشاباك ديفيد زيني موقع قرية تل في مؤشر على حجم الاستنفار الإسرائيلي.
