أظهر الاقتصاد السعودي قدرة واضحة على الصمود أمام تداعيات الصراع الإقليمي، وفق تقييم صادر عن صندوق النقد الدولي. وبحسب ما أوردته قناة العربية، فإن التقييم أكد أن المملكة استفادت من متانة أوضاعها المالية واحتياطاتها القوية وانخفاض مستويات الدين الحكومي، وهي عوامل ساعدتها على تجاوز الضغوط الناجمة عن المواجهة الإقليمية. ويأتي هذا التقييم في وقت تعصف فيه التوترات بالمنطقة وتلقي بظلالها على اقتصادات دولها.
وفي قراءة لهذه الصورة، أوضح الباحث الاقتصادي الدكتور دانيال ملحمة من باريس أن الجميع يتضرر من هذه المواجهة مع إيران، لكن المملكة استطاعت مواجهة التحديات بفضل جملة من العوامل الرئيسية. وأشار إلى أن السعودية اعتمدت على مزيج من المرونة اللوجستية والقدرة المالية الكبيرة والظروف المواتية في سوق النفط، وهو ما مكنها من امتصاص الصدمة بشكل أسرع من غيرها. ورأى أن هذه العوامل مجتمعة شكلت خط الدفاع الأول للاقتصاد السعودي خلال هذه الفترة.
العامل الأول، بحسب ملحمة، يتعلق بالجانب اللوجستي، إذ استفادت المملكة من شبكة الإمدادات والتحول السريع نحو البحر الأحمر. ومكّن هذا التحول السعودية من إعادة توجيه حركة تجارتها بعيدا عن المناطق الأكثر تأثرا بالتوتر، بما حافظ على استمرارية سلاسل الإمداد. وأظهر هذا الانتقال السريع مدى الجاهزية التي راكمتها المملكة في بنيتها اللوجستية.
أما العامل الثاني فيكمن في القدرة المالية الكبيرة للمملكة، التي تمتلك إمكانات هائلة عبر صندوق الاستثمار السعودي. وأوضح الباحث أن هذا الصندوق تدخل بسرعة في الأسواق وضخ سيولة، ما ساعد على استيعاب الصدمة في وقت قصير. وبهذا التدخل السريع تمكنت السعودية من تطويق الآثار السلبية قبل أن تتفاقم وتنتقل إلى قطاعات أوسع.
ويتمثل العامل الثالث في تطورات سوق النفط، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تعويض الانخفاض الجزئي في صادرات المملكة النفطية. وبحسب ملحمة، خلق هذا التوازن نوعا من الاستقرار المالي خلال الفترة الماضية، إذ قابل ارتفاع الأسعار تراجع الكميات المصدرة. وهكذا حافظ الاقتصاد على توازنه رغم الاضطرابات التي طالت حركة الصادرات.
وعلى صعيد الموقع الجغرافي، أشار الباحث إلى أن السعودية تتمتع بموقع استراتيجي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو أمر قائم في الأساس. غير أن الاستثمار في الخدمات اللوجستية خلال السنوات الأخيرة هو ما ساعد المملكة على الانتقال شبه الكامل من موانئ الخليج العربي في الشرق إلى موانئ البحر الأحمر. ولفت إلى أن دولا مثل العراق والكويت وقطر، باستثناء الإمارات، تعاني اليوم لأنها لا تمتلك هذه اللوجستيات ولا منافذ مماثلة على البحر الأحمر.
ورأى ملحمة أن تنويع الاقتصاد يمثل نقطة إيجابية إضافية، إذ لا يزال الطلب الداخلي في المملكة صامدا بفضل سياسة التنويع التي اعتمدت خلال السنوات الخمس الأخيرة في مجالات الطاقة البديلة والصناعات غير النفطية واتساع دور القطاع الخاص. لكنه نبه إلى أن تقارير صندوق النقد الدولي ووكالة رويترز لم تأخذ في الحسبان المنظور الاستشرافي للمدى الطويل والسيناريوهات المحتملة. وأوضح أن من المبكر الحديث عن هذه الأمور في ظل عدم وضوح شكل الاتفاق السياسي المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره على اقتصادات دول المنطقة.
