كثّفت السلطات العراقية حملتها لمكافحة الفساد بمداهمة أمنية استهدفت منزل وزير العمل السابق أحمد الأسدي، حيث عثرت القوات خلال المداهمة على مبالغ مالية وسبائك ذهبية، فيما تمكن الأسدي من الفرار من المنزل قبل إلقاء القبض عليه واعتُقل أحد أقاربه. وجاءت هذه الخطوة قبل ساعات فقط من توجه رئيس الحكومة علي الزيدي في زيارة رسمية إلى واشنطن، لتضع ملف مكافحة الفساد في واجهة المشهد السياسي العراقي وتعيد إلى الأذهان حجم التحديات المرتبطة بهذا الملف الشائك.
والأسدي الذي شغل منصب وزير العمل في حكومة محمد شياع السوداني السابقة يُعد من الشخصيات البارزة، إذ يوصف بأنه زعيم ميليشيا جند الإمام ضمن هيئة الحشد الشعبي. وقد كشفت المداهمة عن أموال ومعادن ثمينة داخل منزله، غير أنه غادر المكان قبل وصول القوات إليه، ما أتاح له الإفلات من الاعتقال في اللحظة الأخيرة، في وقت جرى فيه توقيف أحد أقاربه على خلفية العملية نفسها، لتتحول القضية إلى واحدة من أبرز محطات الحملة الجارية.
وإلى جانب مداهمة منزل الأسدي، شهدت الحملة توقيف نائب سابق في عملية منفصلة، وهو رئيس لجنة النزاهة الأسبق دلال الزوبعي، وذلك تنفيذاً لأمر صادر عن محكمة الفساد بتهم تتعلق بالفساد المالي. ويعكس هذا الاعتقال اتساع دائرة الملاحقات القضائية لتطال شخصيات كانت تُعد لسنوات طويلة خارج نطاق المساءلة، بما يوحي بأن الحملة تسعى إلى تجاوز الخطوط التي طالما حمت متنفذين من الوصول إليهم أمام القضاء.
ولم يكن الأسدي المتهم الوحيد الذي تمكن من الفرار قبل القبض عليه، إذ فرّ أيضاً حسين مؤنس، وهو عضو في إحدى الميليشيات المسلحة، ما أثار تساؤلات حول قدرة عدد من المتهمين على الإفلات في اللحظات الحاسمة. وطرح ذلك علامات استفهام بشأن مدى اختراق بعض الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، في ظل ما يحيط بعدد من هؤلاء من غطاء مسلّح وأمني وسياسي في المناطق التي ينشطون فيها، وهو ما قد يفسّر تكرار حالات الفرار قبل تنفيذ أوامر القبض.
وتتزامن هذه التطورات مع استعداد رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي لبدء زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة يرافقه فيها وفد حكومي وبرلماني ورجال أعمال. وتأتي الزيارة في توقيت إقليمي حساس، إذ يسعى الزيدي إلى حمل ما يعتبره أبرز أوراقه، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة ورسائل الإصلاح، في محاولة لإقناع الإدارة الأمريكية بأن بغداد بدأت تتحول من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص وبناء علاقة مختلفة مع واشنطن.
ووفق ما أعلنه المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، فإن الزيارة تعكس رغبة مشتركة في تطوير العلاقات على أساس المصالح المتبادلة، وستركز على ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة. ويُتوقع أن يجري خلالها توقيع مذكرات تفاهم في قطاعي النفط والغاز ضمن خطة لرفع الإنتاج النفطي في السنوات المقبلة، بما يمنح الزيارة بعداً اقتصادياً إلى جانب أبعادها السياسية والأمنية المرتبطة بملفي السلاح والإصلاح اللذين يتصدران أولويات الحكومة.
وتضع هذه الحملة القضاء العراقي في مواجهة اختبار صعب، إذ يُنظر إليه باعتباره المؤسسة القادرة على التحرك بأوامرها في وجه شبكات النفوذ، وسط تساؤلات عمّا إذا كانت الملاحقات ستصل إلى من يوصفون بكبار المتورطين في الفساد. ويرى متابعون أن فتح ملفات ظلت لسنوات بعيدة عن المساءلة يمثل تحولاً في مقاربة الدولة العراقية، لكن استمرار حالات الفرار يبقي السؤال قائماً حول مدى قدرة الأجهزة على ترجمة القرارات القضائية إلى نتائج فعلية على الأرض.
