وقّعت السعودية وتركيا مذكرتي تفاهم، إحداهما في مجال الخدمات اللوجستية والأخرى في مجال الربط السككي، في خطوة تهدف إلى توثيق التعاون في قطاع النقل بين البلدين. وتأتي المذكرتان في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مشاريع الربط الإقليمي بوصفها خيارا بديلا أمام التحديات التي تواجه حركة النقل والتجارة في المنطقة، لتضعا إطارا رسميا لتطوير الروابط بين الجانبين.
وجرى التوقيع بحضور وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر، ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو. وأوضح الجانب التركي أن الزيارة جاءت لبحث كيفية تطوير العلاقة مع السعودية على نحو أفضل في مجالي الترابط واللوجستيات، وأنه تم توقيع اتفاقيتين في هذا الشأن، بما يعكس مستوى التنسيق بين البلدين.
وفي ما يتعلق بمسار المشروع، كان الجاسر قد أكد في تصريحات سابقة في أبريل الماضي أن دراسة الربط السككي مع تركيا، مرورا بالأردن وسوريا، ستُستكمل قبل نهاية العام الجاري. ويمتد الخط المعلن ليصل تركيا بالسعودية عبر الأردن وسوريا، مع امتدادات فرعية تشمل لبنان، وهو ما يجعل المشروع مرتبطا بالتنسيق مع عدد من دول المنطقة.
ويعيد المشروع إحياء خط سكة حديد تاريخي كان يربط تركيا بالسعودية مرورا بالأردن. وبحسب ما عُرض، بدأ تشغيل هذا الخط عام 1908، ثم تفكك لاحقا إلى أجزاء منفصلة، واستمر تشغيله بشكل محدود في سوريا والأردن، بينما توقف جنوبا في اتجاه المدينة المنورة، قبل أن تُعاد صياغة الفكرة اليوم.
غير أن إعادة صياغة هذه الفكرة تقوم على منطق مختلف عن الماضي. فالهدف لم يعد نقل الحجاج بل تدفق البضائع، وليس الجغرافيا الدينية بل سلاسل الإمداد، بما يحوّل المسار التاريخي إلى ممر تجاري حديث يخدم حركة التبادل بين الدول ويستجيب لاحتياجات النقل الراهنة.
وبحسب ما أُعلن، يستهدف المشروع تعزيز التكامل الإقليمي ودعم حركة التجارة، إضافة إلى تطوير منظومة النقل البري المستدام بين دول المنطقة. وهي أهداف تتجاوز البعد الثنائي بين الرياض وأنقرة لتشمل ربط المنطقة على نطاق أوسع، بما قد ينعكس على كلفة النقل وسرعته بالنسبة إلى البضائع المتبادلة.
ويرتبط الخط بمشاريع أخرى في المنطقة، من بينها تطوير الخطوط القائمة في منطقة العقبة القريبة من نيوم، التي أُعلن عنها ممرا لوجستيا يربط أوروبا عبر تركيا بدول الخليج والعراق. كما يتصل المشروع بشبكة القطار الخليجية، بما يفتح المجال نظريا لامتداد سككي متصل من تركيا عبر الأردن وسوريا إلى السعودية ثم إلى بقية دول الخليج، ضمن ممر بري يربط آسيا بأوروبا.
وقد عادت مشاريع الربط السككي الإقليمي إلى الواجهة في ظل التحديات التي تواجه حركة الشحن البحري، لا سيما بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء من سلاسل الإمداد العالمية. ودفع هذا الواقع نحو البحث عن مسارات برية بديلة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية وحدها، وتمنح المنطقة هامشا أكبر في مواجهة أي اضطراب يصيب طرق التجارة الرئيسية.
وشدد الجانب التركي على أهمية الترابط بين الدول، مؤكدا أن بين السعودية وتركيا تعاونا وتكاملا كبيرين وتنسيقا عاليا، وأن هناك رغبة في تعزيز الربط بمختلف أشكاله الجوي والبحري والبري والسككي. واعتبر أنه لا يوجد في العالم اليوم بلد قادر على الاكتفاء بذاته بالكامل، وأن الزيارة الحالية تأتي في إطار البحث عن مسارات نقل بديلة بعد الحروب التي شهدها محيط المنطقة.
