تواصل السلطات السورية الجديدة ملاحقة رموز النظام السابق ومحاسبتهم على جرائم ارتُكبت خلال حكمه، وذلك على أكثر من مسار في آن واحد. ففي محافظة اللاذقية أُعلن عن اعتقال ضابط متخصص في السلاح الكيميائي يُشتبه في ضلوعه في تصنيع قنابل غاز السارين، في حين تتواصل في العاصمة دمشق محاكمة وسيم الأسد المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويعكس هذان التطوران توجّه السلطات نحو فتح ملفات المرحلة السابقة أمام القضاء والأجهزة الأمنية.
ففي اللاذقية، نفّذت وحدات تابعة لوزارة الداخلية عملية أمنية نوعية تمكّنت خلالها من إلقاء القبض على العقيد أحمد حبيب علي، المختص في مجال الأسلحة الكيميائية. ويأتي هذا الاعتقال في إطار الجهود الأمنية لملاحقة العناصر المرتبطة بأخطر ملفات النظام السابق، وتحديدا الملف المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة دوليا ضد السكان في مناطق مأهولة داخل البلاد.
ووفقا لما أسفرت عنه التحقيقات الأولية، فإن الضابط الموقوف يُعدّ أحد الذين أشرفوا على تصنيع نحو عشرين قنبلة محمّلة بغاز السارين. وبحسب هذه المعطيات، فقد استُخدمت تلك القنابل في هجمات استهدفت مدنا وبلدات سورية خلال عام 2013. ويعيد هذا التوقيف إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال سنوات النزاع، وهي استخدام غاز الأعصاب ضد مناطق يقطنها مدنيون.
ويمثّل ملف الأسلحة الكيميائية أحد أخطر الملفات المرتبطة بالنظام السابق، نظرا لما خلّفه استخدام غاز السارين من ضحايا ولما يمثّله من انتهاك صارخ للمواثيق الدولية التي تحظر هذا النوع من الأسلحة. ومن هذه الزاوية، يُنظر إلى اعتقال ضابط يُشتبه في إشرافه على تصنيع هذه القنابل باعتباره خطوة في اتجاه محاسبة المتورطين في هذا الملف تحديدا، بعد سنوات ظل فيها بلا مساءلة قضائية فعلية.
وعلى مسار مواز، عقدت محكمة الجنايات الرابعة في العاصمة دمشق الجلسة الثانية من محاكمة وسيم الأسد. وهو متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها ارتكاب جرائم قتل والضلوع في مجازر، إضافة إلى تهريب المخدرات والاتجار بها خلال عهد النظام السابق. وتشكّل هذه المحاكمة إحدى المحطات البارزة في مسار محاسبة الشخصيات المقربة من دائرة الحكم السابقة أمام القضاء.
ووفق ما نُقل، فإن الجلسة خُصّصت للاستماع إلى شهود الحق العام واستعراض وثائق وصور وتسجيلات مصوّرة تتعلق بالتهم الموجهة إلى المتهم. وجرت الجلسة بحضور ممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية، وهو حضور يعكس الطابع الحساس لهذه المحاكمة والاهتمام المحلي والدولي بمسار العدالة الانتقالية في سوريا ومدى شفافية إجراءاتها ونزاهتها.
ويعكس التطوران، سواء اعتقال الضابط المتخصص في السلاح الكيميائي أو استمرار محاكمة وسيم الأسد، توجّها لدى السلطات السورية الجديدة نحو فتح ملفات المرحلة السابقة والتعامل معها عبر القضاء والأجهزة الأمنية. ومن شأن استمرار هذه الخطوات أن يُبقي قضايا المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحكم السابق حاضرة في المشهد السوري، في وقت تسعى فيه البلاد إلى طيّ صفحة تلك المرحلة عبر مسار قضائي.
