الفلفل الحار حاضر في الهريسة وأطباقنا اليومية، لكن هل يقدّم لصحتنا أكثر من مجرد النكهة اللاذعة؟ يشير العلم إلى أن مركّب الكابسيسين قد يفيد القلب والأيض ويخفّف الألم، وربطته دراسات كبرى بانخفاض خطر الوفاة. إليك ما يقوله العلم بالفعل، وأين تكمن الحدود.
يُعدّ الفلفل الحار من التوابل الأساسية في المطبخ المغربي والعالمي، فهو يمنح أطباقنا نكهتها القوية ولونها الزاهي، من الهريسة إلى مختلف أنواع الصلصات. لكن خلف إحساس الحرارة اللاذع الذي يتركه على اللسان، يتساءل كثيرون عمّا إذا كان لهذا الفلفل الصغير فوائد حقيقية لصحتنا، أم أنه مجرد مصدر للمتعة والحرقة.
كنز صغير من الفيتامينات
قبل الحديث عن مركّباته الخاصة، يجدر بنا أن نعرف أن الفلفل الحار في جوهره غذاء غني بالعناصر المفيدة. فهو يحتوي على كميات وافرة من فيتامين سي المضاد للأكسدة، إلى جانب فيتامين أ وفيتامين هـ، فضلاً عن أصباغ نباتية تُعرف بالكاروتينات تسهم في حماية خلايا الجسم من التلف.
وإلى جانب هذه الفيتامينات، يبقى العنصر الأكثر تميزاً في الفلفل الحار هو المركّب الذي يمنحه حرارته المعروفة. فهذا المركّب ليس مسؤولاً فقط عن الإحساس اللاذع، بل تشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أنه قد يكون وراء كثير من الفوائد الصحية المحتملة التي يتحدث عنها الباحثون اليوم.
البطل الخفي: الكابسيسين

يُطلق العلماء على هذا المركّب النشط اسم الكابسيسين، وهو المادة الكيميائية المسؤولة عن الطعم الحار الذي نشعر به عند تناول الفلفل. ورغم أنه يخدع الدماغ ليجعلنا نشعر بحرارة وهمية، فإن تأثيره في الجسم يتجاوز بكثير مجرد هذا الإحساس العابر على اللسان.
فقد أظهرت العديد من الدراسات المخبرية أن للكابسيسين خصائص مضادة للالتهابات ومضادة للأكسدة، كما يبدو أنه يؤثر إيجاباً في وظائف الأوعية الدموية والقلب. ولهذا السبب تحوّل هذا المركّب في السنوات الأخيرة إلى محور اهتمام كبير في أوساط الباحثين في مختلف أنحاء العالم.
ماذا تقول الدراسات عن القلب
من أبرز ما توصّل إليه العلم في هذا المجال دراسة إيطالية واسعة تُعرف باسم موليساني، شملت أكثر من اثنين وعشرين ألف شخص وتابعت عاداتهم الغذائية على مدى سنوات طويلة. وقد وجد الباحثون رابطاً لافتاً بين تناول الفلفل الحار بانتظام وبين انخفاض خطر الوفاة بشكل عام.
فالأشخاص الذين كانوا يتناولون الفلفل الحار أكثر من أربع مرات في الأسبوع سجّلوا خطراً أقل للوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنةً بمن نادراً ما يتناولونه. ومع أن هذه النتيجة مثيرة للاهتمام، فإنها تبقى مجرد علاقة إحصائية لا تعني بالضرورة أن الفلفل وحده هو السبب المباشر لها.
حليف للأيض والوزن
لا تتوقف الفوائد المحتملة عند القلب، إذ يهتم الباحثون أيضاً بتأثير الكابسيسين في عملية الأيض داخل الجسم. فبعض الدراسات تشير إلى أنه قد يساعد على زيادة حرق الدهون بشكل طفيف، وربما يسهم في تحويل الدهون البيضاء المخزّنة إلى نوع آخر أكثر نشاطاً في إنتاج الحرارة.
كما يُعتقد أن الكابسيسين قد يقلّل قليلاً من الشهية ويحسّن حساسية الجسم للأنسولين، وهو أمر مفيد في تنظيم مستوى السكر في الدم. غير أن هذه التأثيرات تبقى محدودة ومتواضعة، ولا يمكن اعتبار الفلفل الحار بأي حال من الأحوال حلاً سحرياً لإنقاص الوزن.
مسكّن طبيعي للألم
من المفارقات المدهشة أن المادة نفسها التي تسبب إحساس الحرقة يمكن أن تُستخدم لتخفيف الألم. فالكريمات والمراهم التي تحتوي على الكابسيسين تُستعمل طبياً لتهدئة بعض أنواع الآلام المزمنة، مثل آلام المفاصل وبعض الالتهابات العصبية التي يصعب علاجها.
وتكمن الفكرة في أن الكابسيسين، عند وضعه على الجلد لفترة، يُنهك تدريجياً مستقبلات الألم في تلك المنطقة ويقلّل من قدرتها على إرسال إشارات الألم إلى الدماغ. وهكذا يتحول هذا العدو المُسبّب للحرارة إلى حليف يساعد على تهدئة الوجع بطريقة طبيعية إلى حد ما.
باعتدال ودون مبالغة
مع كل هذه الفوائد المحتملة، من المهم أن نتذكر أن الفلفل الحار ليس دواءً ولا علاجاً سحرياً، بل هو مجرد جزء من نظام غذائي متوازن. فمعظم الدراسات التي تحدثنا عنها تُظهر علاقات إحصائية فحسب، ولا تثبت بشكل قاطع أن الفلفل وحده هو سبب هذه الفوائد الصحية.
كما أن الإفراط في تناوله قد يسبب لبعض الأشخاص اضطرابات في المعدة أو تهيّجاً في الجهاز الهضمي، خاصة لمن يعانون من حساسية تجاهه. لذا يبقى المفتاح، كما هو الحال في كل شيء، هو الاعتدال والاستمتاع بنكهته الحارة ضمن غذاء متنوع وصحي ومتوازن.

Keep subscribing to محمد الشريفHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
