أطلقت الهيئة الملكية لمحافظة العلا موسم التنقيب والحفاظ لعامي 2025 و2026 في العلا وخيبر، بمشاركة فرق سعودية ودولية تسعى إلى كشف طبقات جديدة من تاريخ المنطقة العريق.
العلا وخيبر في قلب المشهد
يمتد العمل الميداني هذا الموسم عبر مواقع عدة في العلا وخيبر، حيث تتعاون فرق بحثية سعودية ودولية على دراسة طبقات الاستيطان القديمة وأنظمة إدارة المياه والزراعة. وبحسب الهيئة، يشارك أكثر من مئة باحث ومختص في هذه الأعمال التي تجمع بين الخبرات المحلية والعالمية.
وتشمل المؤسسات المشاركة جامعة الملك سعود، وجامعة غنت البلجيكية، ومعهد علوم التراث الإسباني، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. ويعكس هذا التنوع في الشراكات حرص الهيئة على الاستعانة بأحدث المناهج العلمية في توثيق المواقع ودراستها دراسة دقيقة.
تقنيات حديثة في خدمة الماضي

يعتمد الباحثون في هذا الموسم على أدوات متقدمة مثل التوثيق ثلاثي الأبعاد والمسح الجوي بالطائرات المسيّرة، بما يتيح رسم صورة دقيقة للمواقع الأثرية من دون الإضرار بها. وتهدف هذه الجهود أيضاً إلى تأهيل جيل جديد من الباحثين السعوديين القادرين على قيادة أعمال التنقيب والحفاظ في المستقبل.
وتكشف الدراسات التحليلية واسعة النطاق في البلدة القديمة بالعلا وواحتها الثقافية عن تطور أنظمة المياه والزراعة عبر العصور، مع الوصول إلى طبقات استيطان أعمق قد تعيد أصول المدينة إلى حقبة الممالك القديمة التي حكمت المنطقة.
ممالك دادان ولحيان
تُعدّ مملكتا دادان ولحيان من أبرز ما تكشفه أعمال التنقيب في العلا، وقد ازدهرتا في الألفية الأولى قبل الميلاد وتركتا وراءهما نقوشاً دادانية ولحيانية ومقابر منحوتة تُعرف بمقابر الأسود. وتقدّم هذه الآثار شهادة نادرة على التجارة والدين في شبه الجزيرة قبل الإسلام.
ويحتضن جبل عكمة قرب العلا ما يشبه مكتبة مفتوحة في الهواء الطلق، إذ يحفظ على واجهاته الصخرية نقوشاً توثّق أسماء شعوب وحضارات ازدهرت ثم اندثرت. ولهذا يصفه كثير من الباحثين بأنه سجل حجري لتاريخ المنطقة اللحيانية ولغاتها القديمة.
الحِجر شاهدة من العصر النبطي
لا يقتصر إرث العلا على دادان ولحيان، إذ تضم أيضاً مدينة الحِجر المعروفة باسم مدائن صالح، التي كانت العاصمة الجنوبية للأنباط. وتحتوي المدينة على أكثر من مئة مقبرة ضخمة منحوتة في الصخر الرملي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو مدينة الحِجر ضمن قائمة التراث العالمي منذ عام 2008، لتصبح أول موقع سعودي ينال هذه المكانة الرفيعة. ويجعلها ذلك واحدة من أبرز الوجهات التي تختصر عمق التاريخ في المملكة العربية السعودية.
خيبر وشواهد ما قبل التاريخ
إلى جانب العلا، تحظى منطقة خيبر باهتمام متزايد، وهي واحة تحيط بها حقول بركانية سوداء وتضم منشآت حجرية تعود إلى ما قبل التاريخ من بينها ما يُعرف بالمستطيلات. وتشير هذه الشواهد إلى استيطان بشري مبكر سبق ظهور الكتابة في المنطقة.
وبالقرب منها يقع موقع مهد الذهب، أحد أقدم مراكز تعدين الذهب والمعادن الثمينة في العصر الإسلامي المبكر، وكان يقع على درب زبيدة الذي سلكه الحجّاج قديماً. وتضيف هذه المواقع طبقة أخرى إلى تاريخ المنطقة الغني والمتنوع.
أرقام تروي حجم العمل
تعكس الأرقام المعلنة اتساع النشاط الأثري في المملكة. فبحسب ما نُشر عن عام 2025، شملت الأعمال الميدانية 68 موقعاً أثرياً، بمشاركة أكثر من 25 بعثة دولية و75 بعثة سعودية ضمن برامج علمية متخصصة توزعت على مناطق مختلفة.
كما جرى تدريب أكثر من 60 طالباً وطالبة في الميدان، بينما بلغ عدد مواقع التراث المغمور المسجلة 1293 موقعاً. وتؤكد هذه المؤشرات أن الاهتمام بالتراث لم يعد جهداً محدوداً بل تحول إلى مشروع وطني واسع النطاق.
تراث يتحول إلى وجهة عالمية
مع كل موسم جديد من التنقيب، تتضح أكثر الصورة التي تعيد رسم تاريخ الجزيرة العربية بوصفها مهداً لحضارات وممالك متعاقبة. وبين المتاحف العالمية التي تعرض تماثيل من حقبة لحيان والمواقع التي تُفتح تدريجياً أمام الزوار، تتحول العلا وما حولها إلى وجهة تجمع بين البحث العلمي والسياحة الثقافية.
دادان ولحيان: معالجة أفضل من غيرها.

Keep following ريم الفارسيHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow