يسلّط معرض عن التراث البحري الضوء على سفينة غرقت قبالة أُملُج في القرن الثامن عشر، وعلى ما تكشفه حمولتها من خزف وأوانٍ عن شبكات تجارية ربطت آسيا بموانئ البحر الأحمر.
ظل البحر الأحمر على مدى قرون طويلة شريانًا تجاريًا حيويًا يربط الجزيرة العربية بالعالم من حولها. واليوم تعود حكاية هذا الممر البحري إلى الواجهة من خلال حطام سفينة غارقة تحمل في أعماقها شهادة نادرة على ذلك الماضي.
سلّط معرض بعنوان «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر» أُقيم في متحف البحر الأحمر بمدينة جدة الضوء على هذه الحكاية، وذلك بالتعاون مع هيئة التراث التي تشرف على توثيق الإرث الثقافي في المملكة وصونه.
سفينة أُملُج الغارقة

يعود الحطام إلى القرن الثامن عشر، وهو لسفينة يبلغ طولها نحو أربعين مترًا اصطدمت بالشعاب المرجانية قبالة سواحل أُملُج قبل أن تغرق وتستقر على عمق يبلغ اثنين وعشرين مترًا تحت سطح الماء بين المرجان.
اكتُشف الموقع في عام 2007، غير أن أعمال التنقيب المنهجية لم تبدأ إلا في عام 2015. ومنذ ذلك الحين تحوّل قاع البحر في هذه البقعة إلى ما يشبه أرشيفًا مغمورًا يحفظ آثار البحّارة وحمولتهم من الضياع.
حمولة تكشف عن عالم
من بين ما استخرجه الباحثون من الموقع مجموعة لافتة من الأواني، شملت مئة وأربعة وثلاثين كوبًا شبه كامل، إلى جانب أربعمئة وتسع وسبعين كِسرة خزفية وعددًا من الجرار الفخارية التي ظلت محفوظة في أعماق البحر.
وبرز بين المكتشفات الخزف الصيني بأنواعه المتعددة، ومنه الأزرق المزجج والأحادي اللون وطراز باتافيا والخزف الأزرق والأبيض. وحملت هذه القطع زخارف دقيقة من بينها أزهار الفاوانيا وسيقان الخيزران ونقش يعرف باسم العجلة المشتعلة.
ولم تقتصر الحمولة على الخزف وحده، إذ عثر الباحثون كذلك على عملات وأدوات ملاحية قديمة وخرائط بحرية وأدوات كان يستخدمها البحّارة في حياتهم اليومية على ظهر السفينة، مما يرسم صورة حية عن رحلة تجارية عابرة للبحار.
طرق التجارة عبر البحر الأحمر
تعكس هذه الحمولة اتساع شبكات التجارة التي ربطت شرق آسيا بالمحيط الهندي وموانئ البحر الأحمر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فالبضائع التي حملتها السفينة قطعت آلاف الأميال قبل أن ينتهي بها المطاف في قاع البحر.
وكانت أُملُج نفسها حلقة وصل بحرية مهمة بين الجزيرة العربية والقارة الأفريقية، إذ مرّت عبر مياهها القريبة قوافل بحرية نقلت السلع والأفكار بين ضفتي البحر الأحمر على مدى أجيال متعاقبة.
حماية التراث المغمور
يأتي الاهتمام بهذا الحطام في إطار جهود أوسع تبذلها المملكة لتوثيق التراث الثقافي المغمور تحت الماء وحمايته. فهذا النوع من الآثار يظل هشًا ومعرضًا للاندثار ما لم يُرصد ويُدرس ويُصان وفق منهجية علمية دقيقة.
ومن خلال عرض هذه المكتشفات أمام الجمهور، يتيح المعرض للزائرين الاطلاع على جانب غالبًا ما يبقى بعيدًا عن الأنظار من تاريخ البلاد، ويقرّب صورة البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري لا مجرد مسطح مائي.
نافذة على الماضي
تكتسب مثل هذه القطع قيمتها من قدرتها على سرد التاريخ بطريقة ملموسة، فكل كوب أو كِسرة خزفية يحمل أثرًا لأيدٍ صنعته ونقلته واستعملته قبل قرون، ويعيد وصل الحاضر بماضٍ بحري طويل.
وبينما تتواصل أعمال البحث والدراسة، يبقى حطام أُملُج شاهدًا على أن البحر الأحمر ما زال يحتفظ بالكثير من أسراره، وأن كل غوص جديد قد يضيف صفحة أخرى إلى سجل حافل من التبادل والترحال.

Keep following ريم الفارسيHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow