أعلنت هيئة التراث السعودية عن العثور على نحو مئة قطعة من الحلي الذهبية داخل جرة فخارية في موقع الدرعية بمنطقة القصيم، ويعود الكنز إلى العصر العباسي على طريق الحج البصري.
أعلنت هيئة التراث السعودية عن اكتشاف لافت في موقع الدرعية الأثري بمنطقة القصيم، حيث عُثر على نحو مئة قطعة من الحلي الذهبية المرصعة بالأحجار الملونة، كانت محفوظة داخل جرة فخارية دُفنت في الأرض منذ أكثر من ألف ومئة عام، لتفتح نافذة جديدة على ثراء الجزيرة العربية في العصر العباسي.
اكتشاف داخل جرة فخارية
جاء الكنز في صورة مجموعة متكاملة من القطع الذهبية التي وُضعت بعناية داخل إناء فخاري واحد، وهو ما يوحي بأن صاحبها أرادها في مكان آمن. وتضم المجموعة قلائد ومعلقات وأقراصاً مزخرفة وخرزات دقيقة وفواصل ذهبية رفيعة، تكشف عن ذوق رفيع في التصميم واهتمام واضح بأدق التفاصيل.
من أبرز ما ضمته المجموعة قطعة دائرية كبيرة على هيئة قرص مزخرف، تتوزع حوله الأحجار الملونة في ترتيب متناظر يحيط بزخرفة مركزية. وتغلب على القطع الأنماط النباتية المرتبة داخل أشكال هندسية، وهي سمة فنية عرفتها صناعة الحلي في تلك الحقبة وميزتها عن غيرها.
موقع الدرعية في القصيم
يقع موقع الدرعية في الجهة الجنوبية الغربية من منطقة القصيم، وسط بيئة تتنوع فيها الجبال والأودية، بعيداً عن مدينة الدرعية التاريخية المعروفة قرب الرياض. وقد كشفت أعمال التنقيب في الموقع عن استيطان قديم يعود إلى القرن التاسع الميلادي، امتدت آثاره على مساحة واسعة.
جاء العثور على الكنز خلال الموسم الرابع من أعمال التنقيب التي تشرف عليها هيئة التراث، ضمن مشروع أوسع لدراسة المواقع الأثرية في المنطقة. وتشير طبقات الاستيطان ومخلفاته إلى أن المكان كان مأهولاً ونشطاً، وليس مجرد محطة عابرة على الطريق.
على طريق الحج البصري

كان موقع الدرعية يقع على امتداد طريق الحج البصري، وهو الدرب التاريخي الذي كان يسلكه القاصدون من مدينة البصرة في جنوب العراق باتجاه مكة المكرمة. وقد شكل هذا الطريق شرياناً للحركة والتجارة، ينقل معه البضائع والأفكار والناس عبر مسافات طويلة في قلب الجزيرة العربية.
هذا الموقع المتميز على الطريق يفسر إلى حد بعيد الثراء الذي تعكسه القطع المكتشفة، إذ كانت المحطات الواقعة على دروب الحج والتجارة تشهد حركة اقتصادية نشطة. ومرور القوافل المحملة بالسلع النفيسة كان يترك أثره في حياة السكان ومستوى معيشتهم وما يقتنونه من نفائس.
صناعة الذهب في العصر العباسي
تكشف القطع المكتشفة عن مستوى متقدم في صناعة الذهب خلال العصر العباسي، إذ اعتمد الصاغة على طرق الصفائح الذهبية الرقيقة وطرقها باليد للحصول على الشكل المطلوب. ثم أضافوا إليها زخارف بارزة بالضغط، وثبتوا الأحجار الملونة داخل أطر ذهبية بعناية فائقة تعكس خبرة متوارثة.
يعود تاريخ المجموعة إلى ما يزيد على ألف ومئة عام، أي إلى فترة كانت فيها الدولة العباسية في أوج ازدهارها الحضاري. وتلك الحقبة التي يسميها المؤرخون العصر الذهبي للحضارة الإسلامية شهدت تطوراً واسعاً في الفنون والعلوم والحرف، ومنها فن صياغة المعادن الثمينة.
لقى أخرى في الموقع
لم يقتصر ما عُثر عليه في الموقع على الحلي الذهبية وحدها، بل رافقتها بقايا معمارية تروي تفاصيل الحياة اليومية. فقد ظهرت أسس مبانٍ حجرية وجدران من الطوب اللبن وغرف مكسوة بالجص ومواقد للنار، إضافة إلى أدوات معدنية استخدمها السكان في شؤونهم المختلفة.
كما وثق الباحثون وجود كسر فخارية وقطع زجاجية وأوانٍ من الحجر الصابوني وكتابات إسلامية، تناثرت بين المرتفعات الأثرية في الموقع. وتشكل هذه اللقى مجتمعة صورة أوضح عن طبيعة الاستيطان ونمط العيش وحجم التبادل الذي عرفه المكان في تلك القرون البعيدة.
أسئلة ما زالت مفتوحة
رغم وضوح قيمة الكنز، فإن كثيراً من الأسئلة ما زالت بلا إجابة قاطعة. فلا يعرف الباحثون على وجه اليقين سبب دفن هذه الحلي في جرة فخارية، ولا هوية صاحبها، ولا ما إذا كان أحد الحجاج أو التجار الذين مروا بالموقع قد أخفاها في لحظة ما ثم لم يعد لاستعادتها.
يبقى كنز الدرعية شاهداً على عمق التاريخ في هذه الأرض، وعلى الدور الذي لعبته مواقعها في حركة الحج والتجارة قديماً. ومع استمرار أعمال التنقيب، يأمل الباحثون أن تكشف المواسم المقبلة عن مزيد من التفاصيل التي تعيد رسم ملامح الحياة في القصيم خلال العصر العباسي.

Keep following ريم الفارسيHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow