تحليل عملي لكيفية تجاوز المصممين للتقليد الشكلي من خلال استخلاص البنية الهندسية والوظيفية من القطع التراثية، مع أمثلة من الرياض وبيروت.
في قاعة هادئة بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن، تجلس قطعة نجدية قديمة خلف زجاج معصم. لا هي تتحدث بلغة السحر، ولا هي مجرد قماش متحجر. هي بنية هندسية صامتة تحمل إجابات عن أسئلة لم يطرحها المصممون الحديثون بعد. المشكلة ليست في غياب القطعة، بل في عجزنا عن قراءة ما خلف الرمز الظاهر. نحن ننظر إلى الخيط واللون، بينما الحقيقة كلها في طريقة تقاطع القماش مع الجسد والحركة.
السؤال الحقيقي ليس من يحفظ القطعة في درج، بل من يفككها ليصنع منها لغة جديدة. الموضة العالمية تتسارع، والتهرب نحو المحلية بات ضرورياً للبقاء، لكن ليس كتقليد أعمى. المطلوب فهم المنطق الذي حكم صناعة اللباس هنا: لماذا اتسعت هذه الياقة؟ ولماذا تموضع هذا الجزء هنا؟ هذا الفهم العميق هو ما يميز التصميم الجاد عن الإكسسوارات السياحية الرخيصة.
هذا التحول من عرض المتاحف إلى ورش العمل يعكس نضجاً في المشهد الثقافي السعودي. لم يعد التراث مادة للدهشة البصرية فقط، بل أصبح مصدراً للابتكار. المصممون اليوم يبحثون عن توقيعهم الخاص، وعن هوية تخرج من عمق البنية المحلية لتنافس في الساحة الدولية، بعيداً عن الاستهلاك السريع والاستنساخ.
من الرمز إلى البنية: فارق جوهري
عادة ما يقف المصمم عند سطح القماش، مستعيداً التطريزات والألوان لأنها إشارات سهلة القراءة. هذا الأسلوب آمن بصرياً لكنه سطحي. هو يجمد القطعة في شكلها النهائي، متجاهلاً السؤال الأهم: كيف وُلدت هذه القطعة؟ وما هي القوة التي شكلت حجمها؟ هذا القصور يمنع الوصول إلى جوهر التصميم، ويتركنا نتجول في محيط الزخرفة دون الدخول إلى بنية المعنى.
الفارق الحقيقي يكمن في الانتقال من الجمال الظاهر إلى المنطق الخفي. عندما يغوص المصمم في دراسة القطعة القديمة، يجد نفسه أمام نظام من النسب والحلول الهندسية. هذه الأنظمة وُلدت من ضغوط الحياة اليومية، ومواد محدودة، ومهارات خياطة متراكمة. التفاصيل التي تبدو مبالغاً فيها اليوم، مثل اتساع الأكمام أو طول التنورة، كانت في الأصل قرارات وظيفية وتجميلية معاً، تعكس تصورات للجمال تختلف كلياً عن معايير الموضة السائدة.
هذه البنية هي ما يمنح التصميم المعاصر ثقله. ليست مجرد زخرفة تُضاف للقطعة، بل هي فلسفة متكاملة صقلتها الأجيال. إنها كنز من الحكمة الحرفية ينتظر من يملك الجرأة والمهارة ليقرأه، ثم يعيد صياغته بلغة تناسب عصره دون أن يفقد روحه الأصلية.

نموذج لبناني: جو شليطا وحارس الذاكرة
على الجانب الآخر من المنطقة، يثبت جو شليطا أن التراث ليس ملفاً مغلقاً. الإعلام يلقبه بحارس تاريخ الأزياء اللبنانية، لكنه في الحقيقة مهندس إعادة إحياء. لم يكتفِ بجمع الصور أو كتابة المقالات، بل دخل إلى الورشة لاستعادة فصول من التاريخ. هدفه واضح: إنقاذ القطع التراثية من الصورة الفولكلورية المتحجرة، وإبراز تفاصيلها التي تحمل حكايات الهوية والجمال الحقيقي.
عمل شليطا يتجاوز الناحية النظرية؛ فقد أعاد صناعة الطنطور النحاسي بالتعاون مع حرفيي طرابلس، وأجرى أبحاثاً معمقة في المنسوجات التاريخية. منصة Lebanese Fashion History التي أسسها أصبحت مرجعاً أساسياً للمصممين والباحثين. هي تجمع ما كان متفرقاً بين كتب نادرة، صور قديمة، وأرشيفات متحفية، وتقدمها بشكل منظم يسهل الوصول إليه والاستفادة منه في المشاريع المعاصرة.
رؤية شليطا تتجاوز الحدود المحلية؛ فهو يرى في التراث رصيداً متجدداً للهوية، وليس ماضياً انتهى. هو يؤمن بأن هذه القطع يمكن أن تكون رافداً قوياً للقوة الناعمة، ومصدراً لإبداع يرسخ مكانة المنطقة على الخريطة الثقافية العالمية. إنه يسعى لجعل التراث جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الموضة العالمي، لا مجرد هامش زخرفي.

التراث كاستراتيجية سياحية: درس من ديريتا
في الرياض، تتبع ديريتا مسارا مختلفاً تماماً. هنا، التراث ليس خلفية زخرفية لصور السوشيال ميديا، بل هو محور الاستراتيجية السياحية بأكملها. جيري انزيريللو، الرئيس التنفيذي للكيان، يؤكد أن الأصالة وحماية التراث يجب أن تكونا في صميم تطوير السياحة. هذا النهج ضروري في سوق يتنافس فيه الوجهات لجذب المسافرين ذوي الخبرة، الذين يبحثون عن تجربة حقيقية وليس مجرد مشاهد سطحية.
آلتورايف، الموقع المدرج على قائمة اليونسكو، يوفر الأرضية التاريخية لهذا التحول. مبانيه من الطوب اللبن وشوارعه الضيقة تعكس التراث المعماري للحجاز بدقة. لكن ديريتا لا تكتفي بترك الزائر ينظر إلى هذه المباني من بعيد، بل تسعى إلى تشكيل طريقة تفاعله مع المكان والأشخاص الذين يعيشون فيه. الهدف هو تجربة حية، لا معرضاً مفتوحاً.
هذا النهج يعكس تغييراً جوهرياً في توقعات السياحة العالمية. المسافرون اليوم أكثر اهتماماً بالتقاليد المحلية والهوية الثقافية العميقة. في ديريتا، يصبح التاريخ السعودي شيئاً يمكن لمسه وشم رائحته، وليس قصة تُروى في دليل سياحي. هذا يعزز الفخر الثقافي لدى المواطنين، ويجذب الزوار الدوليين الذين يبحثون عن أصالة لا يمكن شراؤها في المطارات.

الاستدامة والتجديد: رؤية مستقبلية
الحفاظ على التراث لا يعني تجميده في قفص زجاجي، بل ضمان استمراره وتجدد حضوره. هذا ما أكده الدكتور أشرف العزازي في مؤتمر التراث الثقافي غير المادي. التحدي لم يعد مقتصراً على التوثيق الدقيق، بل أصبح السؤال الأهم هو كيف نضمن أن يبقى هذا التراث حياً ومتجدداً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.
في السعودية، تعمل مبادرات مثل الصقور ومعرض الصقار والحياكة على تعزيز استدامة التراث من خلال ربطه بالبيئة الطبيعية والمجتمع. الصقارة، المعترف بها من اليونسكو كتراث غير مادي، ليست مجرد هواية نخبوية، بل هي تقليد راسخ مرتبط بالصبر والانضباط والمهارة. وتواصل هذه المهنة الازدهار من خلال فعاليات تجمع الخبراء والشركات من حول العالم، مما يضمن انتقالها للأجيال القادمة.
المستقبل يتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين التوثيق الدقيق، والإلهام الإبداعي، والاستدامة البيئية والاجتماعية. التراث ليس مجرد ذاكرة، بل هو رصيد متجدد يمكن أن يقود الابتكار، ويصنع هوية فريدة، ويعزز مكانة السعودية والعالم العربي في المشهد الثقافي العالمي.
الأسئلة الشائعة

Keep subscribing to ريم الفارسيHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
