avalw
⚲
قرية من طين: راشيا الفخار وحكاية حرفة لبنانية تقاوم الاندثار CULTURE · LB

قرية من طين: راشيا الفخار وحكاية حرفة لبنانية تقاوم الاندثار

Yara Haddad Yara Haddad yarahaddad.avalw.com · 1.2k reads Respect0 Save Share Read only
READS28live count PUBLISHED18 Sept2026 READING TIME3 min569 words LANGUAGEArabic
AI CITATIONS? Gathering data

على سفوح جبل الشيخ في جنوب لبنان تقف قرية يحمل اسمها مهنة أهلها منذ قرون. راشيا الفخار صنعت من طينها الأحمر جراراً حملت اسم لبنان في أنحاء المشرق، لكن الحرفة اليوم تقف على حافة الاندثار بعدما تقلص عدد صانعيها إلى حفنة قليلة.

ALSO ON THE CREATOR SITERead this on yarahaddad.avalw.comOpen

في أقصى جنوب لبنان، على السفوح الغربية لجبل الشيخ، تقف قرية صغيرة يختصر اسمها مهنة أهلها ومصير أرضها. إنها راشيا الفخار، القرية التي حمل اسمها لقرون رائحة الطين المحروق وصوت العجلة الدوارة، والتي صار الفخار جزءاً من هويتها لا يمكن فصله عن حجارتها وبيوتها.

قرية يحمل اسمها الفخار

تقع راشيا الفخار في قضاء حاصبيا ضمن محافظة النبطية، وتشتهر منذ العصور الوسطى بصناعة الفخار. سر هذه الشهرة يكمن في التلال المحيطة بها، الغنية بعرق من الطين الأحمر الذي شكل المادة الخام التي رفعت اسم القرية في أرجاء المشرق وجعلتها مقصداً لتجار الأواني الفخارية.

لم تكن هذه السمعة وليدة الصدفة، بل نتيجة تراكم خبرة عبر أجيال متعاقبة. ففي منتصف القرن التاسع عشر، دوّن الرحالة إدوارد روبنسون أن القرية كانت تعج بأفران قبابية كبيرة لحرق الفخار، وأن إنتاجها كان يُشحن إلى الأسواق البعيدة، ليصل حتى منطقة حوران، حاملاً معه سمعة الحرفة اللبنانية.

الريشانية: صناعة تبنى من الأسفل

أواني من طين مصنوعة يدوياً تجسد روح الحرفة الفخارية التي اشتهرت بها راشيا الفخار، حيث يتحول التراب الأحمر على يد الصانع إلى جرار وأوعية تحفظ الماء والطعام.
أواني من طين مصنوعة يدوياً تجسد روح الحرفة الفخارية التي اشتهرت بها راشيا الفخار، حيث يتحول التراب الأحمر على يد الصانع إلى جرار وأوعية تحفظ الماء والطعام.

ما يميز فخار راشيا ليس المادة وحدها، بل أيضاً الطريقة. فقد طور أهلها أسلوباً خاصاً في التشكيل يُعرف بالريشانية، يقوم على بناء الجرة من الأسفل إلى الأعلى على مراحل، في عملية بطيئة تمتد أحياناً على مدى أيام عدة وتتطلب صبراً ودقة لا يملكها إلا من ورث الحرفة عن أبيه.

من هذا الطين المتواضع كانت تولد جرار الماء التي صارت العلامة المميزة للقرية. أوانٍ بسيطة الشكل لكنها عملية، تحفظ الماء بارداً في حر الصيف بفضل مسام الطين، وكانت تُصف على الشرفات وتُعرض في الأسواق، وتُحمل عبر بلاد الشام بوصفها رمزاً للمتانة وللبراعة اليدوية اللبنانية.

من ثمانين حرفياً إلى خمسة

لكن هذه الصورة المزدهرة تنتمي إلى الماضي أكثر مما تنتمي إلى الحاضر. فبحسب تحقيقات صحافية عن حال الحرفة، كان في القرية قبل الحرب ما يصل إلى ثمانين حرفياً يعملون في الفخار، بينما تقلص هذا العدد اليوم إلى خمسة صناع فقط، جميعهم تجاوزوا الخمسين من العمر، وهو ما ينذر بانقطاع سلسلة التوارث.

وراء هذه الأرقام وجوه وأسماء تحمل ذاكرة القرية. من بينهم أديب الغريب، أقدم فخاري في القرية والمعلم الأول بلا منازع، الذي لا يزال يستخدم الفرن التقليدي الذي يعمل بحطب النار. ومنهم وسيم خليل، الذي تعلم المهنة من والده، ثم هاجر إلى لندن قبل أن يعود إلى الطين ويستأنف العمل في الفخار عام ألفين وتسعة.

لماذا يذبل الطين

أسباب هذا التراجع متشابكة ومتعددة. فقد ابتعد الجيل الجديد عن المهنة ولم يعد يرى فيها مستقبلاً يستحق العناء، بينما تحول المستهلك الحديث نحو بدائل الزجاج والبلاستيك الأرخص والأخف. وهكذا تراجعت الأسواق التي كانت يوماً تبتلع كل ما تنتجه أيدي الفخارين من جرار وأوانٍ.

وزادت الأزمة الاقتصادية الطين بلة، إذ حال انقطاع الكهرباء دون تشغيل الأفران الكهربائية المشتركة عند الحرارة المطلوبة لإنضاج الفخار كما ينبغي. والنتيجة أن مئات القطع غير المباعة باتت ترقد في الزوايا وقد غطتها خيوط العنكبوت، شاهدة على حرفة تنتظر من يعيد إليها الحياة.

ولا يقتصر هذا المشهد على راشيا الفخار وحدها، بل يعكس أزمة أوسع تعيشها الحرف اليدوية في لبنان. فقد أظهرت دراسة مسحية أُجريت عام ألفين وعشرين أن اثنين وستين في المئة من العاملين في القطاع تجاوزوا الخمسين من العمر، وأن خمسة في المئة فقط من المشاغل تأسست خلال السنوات الخمس إلى العشر الأخيرة.

حرفة تستحق البقاء

غير أن في المشهد بصيص أمل. فالعالم يعود اليوم إلى تقدير المصنوع يدوياً، وإلى البحث عن الأشياء الطبيعية التي تحمل أثر يد الإنسان وروحه، بعيداً عن رتابة الإنتاج الصناعي المتكرر. وهذا التحول في الذائقة قد يمنح فخار راشيا فرصة جديدة إذا أحسن أهله ربطه بأسواق ومستهلكين يبحثون عن الأصالة.

يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت أفران راشيا الفخار ستظل مشتعلة، أم أن جمرها سينطفئ مع رحيل آخر معلميها. فالقرية التي بنيت من طين تنتظر أن ترى إن كانت نارها ستصمد، وإن كان بمقدور جيل جديد أن يعيد اكتشاف كنز يكمن، حرفياً، تحت أقدامه في تراب التلال المحيطة.

0 responses
No responses yet. Be the first to add one.
Yara Haddad
Follow this desk
Yara Haddad
Create a free account to follow Yara Haddad. New stories land in your feed, and you can save any of them to your own reading lists.
Your library & lists →
Yara Haddad
WRITTEN BY THE AUTHOR
Yara Haddad 2026-09-18 · 3 min read · 28 reads
View profile →
VERIFY THIS STORY
ASK AI
Yara Haddad Keep subscribing to Yara HaddadHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Up next
More
Statistics Search Become a creator Alliances About Terms Privacy