دولة يفتقر نصف سكانها إلى الكهرباء تحولت إلى قوة عالمية في تعدين البيتكوين اعتمادا على مياه سد النهضة. أقرأ الأرقام والمفارقة ودروسها لمنطقتنا.
بينما ينشغل العالم بأسعار البيتكوين وصعودها وهبوطها، تتشكل في القرن الأفريقي قصة أكثر عمقا عن مصدر الطاقة التي تحرك هذه العملة. إثيوبيا، الدولة التي يفتقر أكثر من نصف سكانها إلى الكهرباء، تحولت في وقت قصير إلى واحدة من أهم مراكز تعدين البيتكوين في العالم، معتمدة على مياه النيل الأزرق. أكتب اليوم عن هذه المفارقة اللافتة وعن دروسها بالنسبة لمنطقتنا الغنية بالطاقة.
إثيوبيا تصعد إلى قمة تعدين البيتكوين
في غضون سنوات قليلة فقط، قفزت إثيوبيا إلى المرتبة الثامنة بين أكبر دول تعدين البيتكوين في العالم، وباتت تسهم بنحو اثنين ونصف إلى قرابة ثلاثة في المئة من إجمالي قوة الحوسبة العالمية للشبكة. هذا الصعود السريع جعل من دولة أفريقية لم تكن على خريطة الكريبتو لاعبا يصعب تجاهله، وأثار في الوقت ذاته جدلا واسعا حول جدوى هذا التوجه وكلفته الحقيقية على السكان.
سد النهضة، قلب المعادلة
في صميم هذه القصة يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير المقام على النيل الأزرق، أضخم مشروع كهرومائي في أفريقيا. افتتح السد رسميا في التاسع من سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين بكلفة تقارب خمسة مليارات دولار، وهو مصمم لتوليد قدرة قصوى تبلغ نحو خمسة آلاف ومئة وخمسين ميغاواط، أي ما يعادل قرابة خمسة عشر ألف غيغاواط ساعة من الطاقة سنويا. هذه الوفرة المفاجئة من الكهرباء هي ما فتح الباب أمام المعدنين.
من الماء إلى الذهب الرقمي

الفكرة التي تبنتها إثيوبيا بسيطة في جوهرها وعميقة في أثرها. بدلا من ترك فائض الطاقة الكهرومائية يضيع من دون مشتر، قررت الدولة بيعه لشركات تعدين البيتكوين التي تحول الكهرباء الرخيصة إلى أصول رقمية قابلة للتصدير. بهذا المعنى، تتحول مياه النهر المتدفقة إلى ما يشبه الذهب الرقمي، وهو تعبير بات يتردد كثيرا لوصف التجربة الإثيوبية التي تجمع بين الموارد الطبيعية والاقتصاد الجديد.
كهرباء بأربعة سنتات
العامل الحاسم في جذب المعدنين هو السعر. تبيع إثيوبيا الكهرباء لشركات التعدين بنحو ثلاثة إلى أربعة سنتات فقط لكل كيلوواط ساعة، في حين يبلغ المتوسط العالمي قرابة خمسة عشر سنتا. هذا الفارق الهائل يعني أن هامش الربح في إثيوبيا أوسع بكثير مما هو عليه في معظم دول العالم، وهو ما يفسر تدفق الشركات الأجنبية، وخصوصا الصينية، نحو هذا السوق الوليد بأعداد متزايدة.
خمسة وخمسون مليونا في عشرة أشهر
لم تعد الأرقام مجرد وعود على الورق. فقد أعلنت شركة الكهرباء الإثيوبية أنها جنت نحو خمسة وخمسين مليون دولار من بيع الطاقة لمزارع تعدين البيتكوين خلال عشرة أشهر فقط. بالنسبة لدولة تسعى بكل الوسائل إلى توفير العملة الصعبة وتمويل مشاريعها التنموية، يمثل هذا الدخل موردا جديدا ومغريا يأتي من طاقة كانت ستذهب هدرا في غياب مشترين محليين كافين.
طموح ثلاثمئة وخمسين مليونا
الطموح الإثيوبي لا يتوقف عند هذا الحد. إذ تشير التوقعات إلى أن عائدات شركة الكهرباء من هذا النشاط قد تقفز إلى ما يقارب ثلاثمئة وخمسين مليون دولار في عام ألفين وستة وعشرين. مثل هذا الرقم يضع تعدين البيتكوين في مصاف مصادر الدخل الوطنية المهمة، ويحوله من تجربة هامشية إلى ركيزة محتملة في استراتيجية البلاد لتحقيق أقصى استفادة من ثروتها المائية الضخمة.
لماذا تتدفق الشركات إلى أديس أبابا
إلى جانب الكهرباء الرخيصة، تقدم إثيوبيا مناخا باردا نسبيا في بعض مناطقها المرتفعة يساعد على تبريد أجهزة التعدين التي تولد حرارة هائلة. وقد وقعت عشرات الشركات اتفاقيات معتمدة لتشغيل مزارعها، بينما ينتظر نحو عشرين شركة أخرى دورها للحصول على تصاريح. هذا الازدحام على الأبواب يكشف حجم الجاذبية التي باتت تتمتع بها البلاد في نظر صناعة عالمية تبحث دائما عن أرخص طاقة ممكنة.
الوجه الآخر: نصف السكان بلا كهرباء
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما. ففي بلد يعتمد على مياهه لتشغيل حواسيب تنتج عملة رقمية، لا يزال نحو خمسة وخمسين في المئة من السكان محرومين من الوصول إلى الكهرباء في منازلهم. يطرح هذا الوضع سؤالا أخلاقيا حقيقيا حول أولويات استخدام الطاقة الوطنية، وهل يصح توجيهها إلى تعدين البيتكوين قبل إنارة بيوت الملايين من المواطنين.
الدولة تمسك بزمام اللعبة
على عكس نماذج أخرى تركت التعدين للقطاع الخاص وحده، اختارت إثيوبيا أن تكون لاعبا مباشرا في هذه الصناعة. فقد أعلن أن ذراعا حكومية تتبع مكتب رئيس الوزراء ستمتلك حصة تتراوح بين عشرين وثلاثين في المئة من المنشآت الكبرى للتعدين. هذا التوجه يضمن للدولة نصيبا مباشرا من الأرباح، لكنه يثير أيضا تساؤلات حول الشفافية ومدى استفادة المواطن العادي من هذه العوائد.
توقف التراخيص وإعادة الترتيب
إدراكا للضغط الهائل الذي يفرضه التعدين على الشبكة، اتخذت السلطات خطوات لكبح جماح التوسع. فقد توقفت عن إصدار تراخيص جديدة بعدما بلغ استهلاك التعدين حدا كبيرا من إجمالي إنتاج الطاقة، ثم اتجهت لاحقا نحو إعادة ترتيب القطاع بشكل تدريجي. هذه التذبذبات في السياسة تعكس صعوبة الموازنة بين إغراء الدخل السريع وبين حماية أمن الطاقة الوطني على المدى الطويل.
ماذا يعني هذا للمنطقة
التجربة الإثيوبية تحمل دروسا مباشرة لمنطقتنا الغنية بالطاقة. فكما حول الخليج غازه المحترق إلى بيتكوين، تحول إثيوبيا مياهها إلى أصول رقمية، والقاسم المشترك هو استغلال طاقة رخيصة أو فائضة لتوليد قيمة جديدة. لكن التجربة تذكرنا أيضا بأن أي رهان على التعدين يجب أن يوازن بين العائد الاقتصادي وبين حاجات السكان الأساسية، وإلا تحول الإنجاز إلى عبء اجتماعي ثقيل.
خلاصة
ما يجري على ضفاف النيل الأزرق أكبر من مجرد قصة عن عملة رقمية. إنه اختبار حقيقي لكيفية تعامل الدول النامية مع مواردها في عصر الاقتصاد الرقمي، وكيف يمكن لطاقة نظيفة أن تصبح مصدر دخل ومصدر جدل في آن واحد. سأتابع باهتمام كيف ستوازن إثيوبيا بين طموحها الرقمي وواجبها تجاه شعبها، فالإجابة قد ترسم ملامح تجارب مشابهة في عموم أفريقيا والشرق الأوسط.

Keep following ليلى حدادHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow