يعرف العالم السعودية بالنفط، لكن كنزا أكثر هدوءا يرقد تحت صحرائها. في إطار رؤية 2030 تراهن المملكة على التعدين كركيزة ثالثة للاقتصاد، مع ثروة معدنية تتجاوز 1.3 تريليون دولار وهدف رفع مساهمة القطاع إلى 75 مليار دولار.
حين يفكر العالم في ثروة المملكة العربية السعودية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو حقول النفط الشاسعة التي غيرت وجه الاقتصاد العالمي طوال عقود طويلة. غير أن كنزا آخر أكثر هدوءا يرقد صامتا في أعماق صحرائها الواسعة، وهو ثروة معدنية هائلة تراهن عليها الدولة اليوم لتنويع اقتصادها وبناء مستقبل لا يعتمد على الذهب الأسود وحده.
الركيزة الثالثة للاقتصاد
في إطار رؤية 2030 الطموحة، وضعت المملكة قطاع التعدين في مكانة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ جعلته الركيزة الثالثة للنمو الصناعي الوطني إلى جانب النفط والصناعات البتروكيماوية. لم يعد المعدن مجرد نشاط هامشي على الإطلاق، بل تحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها مشروع التحول الاقتصادي الكبير للبلاد.
وما يجعل هذا الرهان منطقيا تماما هو الحجم الهائل للثروة الكامنة تحت الرمال. فوفقا للتقديرات الرسمية، تحتضن أرض المملكة ثروة معدنية غير مستغلة تتجاوز قيمتها 1.3 تريليون دولار أمريكي. إنها كنوز ظلت مدفونة ومنسية لعقود طويلة، وتنتظر الآن من يستخرجها ليحولها إلى محرك اقتصادي حقيقي ومصدر جديد للدخل الوطني.
من 17 إلى 75 مليار دولار

لم تكتف المملكة بالأرقام النظرية المجردة، بل وضعت لنفسها أهدافا كمية واضحة وقابلة للقياس في هذا المجال. فبموجب خطط رؤية 2030، تسعى الدولة إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 17 مليار دولار في الوقت الحالي إلى ما يقارب 75 مليار دولار بحلول عام 2030، وهي قفزة هائلة بكل المقاييس.
خلف هذه الأرقام الطموحة تكمن رؤية استراتيجية أعمق بكثير من مجرد زيادة الإيرادات المالية. فالهدف الأساسي هو تقليل اعتماد الاقتصاد على النفط، وخلق آلاف فرص العمل الجديدة للشباب السعودي، وبناء صناعة وطنية متكاملة قادرة على الصمود والمنافسة في الأسواق العالمية لعقود طويلة قادمة.
معادن قاطرة القطاع
تقف في قلب هذا التحول الطموح شركة التعدين العربية السعودية، المعروفة باسم معادن، بوصفها الذراع الرئيسية للدولة في هذا المجال الحيوي. فقد تحولت الشركة على مر السنين من مؤسسة متواضعة إلى تكتل صناعي ضخم متعدد المعادن، تمتد عملياته لتشمل الفوسفات والألومنيوم والذهب والنحاس ومجموعة واسعة من المعادن الصناعية الأخرى.
ولم تتوقف طموحات الشركة عند حدود الحاضر فحسب، بل رسمت لنفسها خارطة طريق واضحة بعيدة المدى. فقد كشفت معادن عن استراتيجية شاملة تمتد حتى عام 2040، إلى جانب توقعاتها لأعمال عام 2026، بهدف تنويع محفظتها الاستثمارية والتوسع في استخراج مواد خام استراتيجية جديدة تدعم مسيرة التحول الاقتصادي في المملكة.
ذهب الصحراء
يظل الذهب أحد أبرز نجوم هذا القطاع الواعد وأكثرها بريقا وجاذبية للمستثمرين من حول العالم. فقد أعلنت معادن مؤخرا عن اكتشاف احتياطيات جديدة ضخمة من الذهب بالقرب من منجم منصورة مسرة القائم، تتجاوز كميتها عشرة ملايين أونصة. وهو اكتشاف بالغ الأهمية يعزز مكانة المملكة على خريطة إنتاج الذهب العالمية بشكل لافت.
والحقيقة أن التنقيب عن الذهب في شبه الجزيرة العربية ليس أمرا مستحدثا على الإطلاق، بل تمتد جذوره في هذه الأرض إلى آلاف السنين. فمناجم قديمة مثل مهد الذهب تشهد على تاريخ عريق من استخراج هذا المعدن النفيس، وها هي التقنيات الحديثة تعيد اليوم إحياء ذلك الإرث القديم على أسس علمية واقتصادية متطورة تماما.
الفوسفات يغذي العالم
لكن الثروة المعدنية للمملكة تتجاوز بكثير بريق الذهب لتشمل معادن أقل لمعانا لكنها لا تقل أهمية على الإطلاق. فمن خلال مشاريع مشتركة مع شركاء دوليين كبار، تحولت السعودية إلى أحد أبرز منتجي أسمدة الفوسفات على مستوى العالم، لتلعب بذلك دورا حيويا في دعم الأمن الغذائي والزراعة في العديد من دول العالم.
ولا تتوقف القائمة عند هذا الحد بأي حال، إذ تراهن المملكة أيضا على معادن المستقبل مثل النحاس والألومنيوم. فهذه المواد تشكل عصب سلاسل الإمداد الحديثة، وتدخل في صناعة كل شيء تقريبا، من شبكات الكهرباء وتقنيات الطاقة النظيفة إلى الأجهزة الإلكترونية، ما يجعلها ذات قيمة استراتيجية متزايدة في الاقتصاد العالمي الجديد.
التحديات والطريق إلى الأمام
بطبيعة الحال، فإن الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف الطموحة ليس مفروشا بالورود، بل يواجه تحديات حقيقية لا يستهان بها. فبناء البنية التحتية اللازمة، وتأهيل الكوادر البشرية الماهرة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، ومراعاة الاعتبارات البيئية الدقيقة، كلها عقبات يجب على المملكة تجاوزها بحكمة في سباق عالمي بالغ التنافسية.
ومع ذلك، تبدو الصورة العامة مبشرة إلى حد كبير بمستقبل واعد لهذا القطاع الصاعد بقوة. فالصحراء التي أهدت المملكة ثروة النفط قد تكون على وشك أن تجود بثروة ثانية لا تقل عنها قيمة، مصدرها هذه المرة المعادن المدفونة في باطنها. إنه رهان هادئ لكنه استراتيجي بامتياز على ملامح اقتصاد ما بعد النفط.
معادن: شرح واضح وجيد.
رؤية متوازنة عن معادن.
تعلمت الكثير عن معادن هنا.
أفكر مثلك.
معك حق.

Keep following ليلى حدادHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow