بعيدا عن العملات المشهورة، يفتح البلوكتشين جبهة جديدة عند تقاطع المال والمناخ. نظرة على كيفية تحويل أرصدة الكربون إلى رموز رقمية، والأرقام العالمية الصاعدة، وطموح السعودية في بناء أحد أكبر أسواق الكربون في العالم.
أكتب عادة عن العملات الرقمية والبلوكتشين وأثرها على مستقبل المال في المنطقة، لكن قصة اليوم مختلفة قليلا. فهي تقع عند تقاطع غير متوقع بين عالمين، عالم المال الرقمي وعالم المناخ وحماية الكوكب. الحديث هنا عن أرصدة الكربون، تلك الأدوات المالية التي تحاول الشركات من خلالها تعويض انبعاثاتها. والجديد هو أن تقنية البلوكتشين بدأت تدخل هذا المجال بقوة، واعدة بإصلاح سوق طالما عانى من مشكلات الثقة والشفافية.
ما هي أرصدة الكربون

قبل الخوض في التقنية، من المفيد أن نفهم الأساس الذي يقوم عليه هذا السوق بالكامل. رصيد الكربون الواحد يمثل في جوهره طنا واحدا من ثاني أكسيد الكربون تم تجنب انبعاثه أو إزالته من الغلاف الجوي. تنشأ هذه الأرصدة من مشاريع بيئية مثل زراعة الغابات أو توليد الطاقة النظيفة أو الحفاظ على النظم الطبيعية. وتشتري الشركات هذه الأرصدة طواعية لتعويض انبعاثاتها والوفاء بتعهداتها المناخية أمام العالم.
مشكلة الثقة في سوق الكربون
المشكلة أن سوق الكربون الطوعي عانى لسنوات طويلة من أزمة ثقة عميقة أضرت بسمعته. فقد اتهمت بعض المشاريع ببيع أرصدة لا تعكس تخفيضات حقيقية في الانبعاثات، فيما بيع بعضها الآخر أكثر من مرة. هذه الظواهر، إضافة إلى غياب الشفافية في السجلات، فتحت الباب أمام ما يعرف بالغسيل الأخضر. ومن دون طريقة موثوقة للتحقق، بقيت مصداقية السوق بأكملها موضع تساؤل دائم من قبل الخبراء والجهات الرقابية.
دخول البلوكتشين على الخط
هنا يأتي دور البلوكتشين الذي يقدم حلا محتملا لهذه المعضلة المزمنة. الفكرة هي تحويل رصيد الكربون إلى رمز رقمي مسجل على سلسلة الكتل، في عملية تعرف بالتمريز. بمجرد أن يصبح الرصيد على السلسلة، يمكن تتبع مساره بالكامل بشكل شفاف ولا يمكن التلاعب به بسهولة. وعند استخدام الرصيد لتعويض الانبعاثات، يتم إلغاؤه فورا وبشكل نهائي، ما يمنع إعادة بيعه أو احتسابه مرتين.
سوق صاعد بمليارات الدولارات
لم يعد هذا المجال مجرد تجربة هامشية، بل تحول إلى سوق مالي حقيقي يجذب الأنظار. فبحسب تقديرات المحللين، من المتوقع أن ينمو حجم سوق الكربون المُمرَّز من نحو خمسة مليارات وثلاثمئة مليون دولار في عام 2025. وتشير التوقعات إلى أنه قد يصل إلى ما يقارب ثلاثة عشر مليارا وأربعمئة مليون دولار بحلول عام 2033. هذه الأرقام تعكس قناعة متزايدة بأن الجمع بين المناخ والتقنية المالية يمثل فرصة استثمارية واعدة على المدى الطويل.
أرقام على السلسلة
رغم هذا النمو، لا تزال حصة البلوكتشين من السوق الإجمالية متواضعة إذا ما نظرنا إلى الصورة الكاملة. ففي عام 2025، تجاوزت عمليات إلغاء أرصدة الكربون المسجلة على السلسلة خمسة وأربعين مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لأول مرة في التاريخ. ومع ذلك، يمثل هذا الرقم أقل من ثمانية في المئة من إجمالي حجم السوق الطوعي البالغ نحو ستمئة مليون طن. أي أن أمام هذه التقنية مجالا هائلا للنمو إذا نجحت في كسب ثقة السوق التقليدي.
الرواد مثل توكان
برزت في هذا المجال مشاريع رائدة تولت مهمة بناء الجسور بين السجلات التقليدية والعالم الرقمي. من أبرزها بروتوكول توكان، الذي نقل ملايين الأرصدة إلى السلسلة عبر عقوده الذكية. فبحلول أوائل عام 2026، كان قد تم تجسير أكثر من خمسة وعشرين مليون رصيد كربوني من خلال هذه المنصة. وأصبحت وحدات مثل طن الكربون الأساسي وطن الكربون الطبيعي بمثابة مراجع سعرية يستند إليها المتعاملون في هذا السوق الناشئ.
التحقق الرقمي الذكي
لا تقتصر الثورة على تسجيل الأرصدة، بل تمتد إلى طريقة التحقق من صحة المشاريع نفسها. ففي عام 2026، بدأ الاعتماد المتزايد على ما يعرف بالمراقبة والتحقق الرقمي بدلا من عمليات التدقيق الميداني اليدوية البطيئة. تستخدم هذه الأنظمة أجهزة استشعار وبيانات آلية لقياس الأثر البيئي للمشاريع بشكل مستمر ودقيق. هذا التحول يقلل الاعتماد على المدققين البشريين ويزيد من مستوى الثقة في سلامة البيانات ومصداقيتها.
طموح السعودية الأخضر
في قلب هذه التحولات العالمية، تبني المملكة العربية السعودية طموحها الخاص في مجال الكربون. فقد أطلقت الشركة الإقليمية الطوعية لسوق الكربون منصتها للتداول في نهاية عام 2024 خلال مؤتمر المناخ في باكو. وشهد الإطلاق مزادا ضخما عرضت فيه نحو مليونين ونصف المليون من الأرصدة المعتمدة من هيئات دولية مرموقة. وتسعى المملكة عبر هذه الجهود لأن تصبح واحدة من أكبر أسواق الكربون الطوعي في العالم بحلول عام 2030.
الفرصة أمام المنطقة
هنا يبرز السؤال الأهم بالنسبة لمنطقتنا التي تراهن بقوة على مستقبلها المالي والرقمي. إذا كانت الشفافية هي التحدي الأكبر في أسواق الكربون، فإن البلوكتشين يقدم أداة قوية لمعالجته من جذوره. ومع امتلاك دول الخليج لطموحات كبيرة في الأسواق الرقمية والمناخية على حد سواء، يبدو التقاطع بينهما فرصة طبيعية. ويبقى السؤال مفتوحا حول مدى سرعة تبني هذه المنطقة لتقنيات التمريز في بناء أسواقها الكربونية الوليدة.
التحديات القائمة
مع ذلك، لا ينبغي أن ننجرف وراء الحماس ونتجاهل العقبات الحقيقية التي تعترض الطريق. فالسوق لا يزال مجزأ بين منصات ومعايير متعددة، ما يصعّب على المشترين المقارنة والثقة. كما أن الغموض التنظيمي في كثير من الدول يجعل الشركات مترددة في الدخول بقوة إلى هذا المجال. يضاف إلى ذلك شكوك بعض المتعاملين التقليديين الذين ما زالوا ينظرون بريبة إلى كل ما يحمل اسم البلوكتشين.
أكثر من مجرد تقنية
في نهاية المطاف، هذه القصة ليست عن التقنية في حد ذاتها بقدر ما هي عن المصداقية. فالعالم بحاجة ماسة إلى تمويل مناخي يمكن الوثوق به، لا إلى وعود جوفاء يصعب التحقق منها. والبلوكتشين، إذا استخدم بحكمة، يمكن أن يتحول من مجرد أداة مضاربة إلى وسيلة لبناء الثقة في مكان تشتد الحاجة إليه. وهذا التحول في الغاية هو ما يجعل الموضوع مثيرا للاهتمام إلى هذا الحد بالنسبة لي.
مستقبل المال يلتقي بالمناخ
حين أتأمل هذا المشهد، أرى لحظة نادرة يلتقي فيها مستقبل المال بمستقبل الكوكب في مسار واحد. فتحويل الكربون إلى رمز رقمي ليس مجرد حيلة تقنية، بل محاولة لإعادة تعريف كيف نقيس التزاماتنا تجاه البيئة ونثق بها. وإذا نجحت هذه التجربة في تجاوز تحدياتها، فقد تصبح ركيزة أساسية في اقتصاد أكثر خضرة وشفافية. أما منطقتنا، فأمامها فرصة حقيقية لتكون في طليعة هذا اللقاء بين المال والمناخ بدلا من أن تكون مجرد متفرج.
أرصدة الكربون: معالجة أفضل من غيرها.
أتابع أرصدة الكربون وهذا يساعد.

Keep following ليلى حدادHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow