دراسة علمية جديدة توظف تقنية الحمض النووي البيئي لرصد التنوع البحري في أبوظبي، وتكشف عن أدوار بيئية خفية لموائل القرم والأعشاب البحرية.
تخيل أنك تقف على شاطئ أبوظبي في صيف حارق، حيث تتجاوز حرارة مياه الخليج العربية 35 درجة مئوية، والملوحة أعلى بكثير من المحيطات المفتوحة. هذا المكان الذي قد يبدو لنا مجرد خلفية صاخبة للمدن الشاطئية، هو في الحقيقة مختبر قاسٍ تختبر فيه الطبيعة حدود تحمّل الكائنات البحرية. لم يعد بإمكاننا الاعتماد على العيون المجردة أو الصيادين المحليين لتقدير ما تخبئه مياهنا، فقد دخلنا حقبة جديدة حيث تتحدث الجزيئات نفسها.
في هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أعدتها جامعة السوربون أبوظبي بالتعاون مع هيئة البيئة وأبوظبي والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، عن كيمياء بيئية دقيقة لم تكن مرئية من قبل. نُشرت النتائج في المجلة العلمية PLoS ONE، وتمثل أول مسح شامل للفقاريات البحرية في الإمارة باستخدام تقنية الحمض النووي البيئي، وهي تقنية تشبه بصمة الإصبع التي تكشف هوية الكائنات من مجرد عينة ماء.
شيفرة الحياة في رمال الشاطئ
تعمل تقنية الحمض النووي البيئي على التقاط الشظايا الوراثية المتساقطة في الماء، سواء كانت خلايا أو فضلات أو حتى جزيئات من جلد الأسماك. هذه الشيفرة الجينية الصامتة تحكي قصة كل كائن عابر لهذه السواحل الحضرية، حتى تلك التي لا نراها أبداً بالعين المجردة. لم يقتصر الأمر على مجرد عدّ الأسماك، بل استخرج العلماء 83 مجموعة تصنيفية للفقاريات من أربع مواقع ساحلية مختلفة.
تشمل هذه القائمة 75 نوعاً من الأسماك العظمية، ونوعين من أسماك القرش والشفنينيات، ونوعاً واحداً من الثدييات البحرية، وخمسة أنواع من الطيور. وقد نجح الباحثون في تحديد 22 نوعاً منها بدقة تامة على مستوى النوع. هذا الجرد الدقيق يعكس ثراءً بيئياً مذهلاً يتعايش مع الضجيج العمراني والتطوير المكثف الذي تشهده المنطقة.

القرم كنز التطور الخفي
ما لفت انتباهي في هذه الدراسة هو التركيز على مفهوم التنوع التطوري، وليس مجرد عدد الأنواع. أظهرت النتائج أن موائل أشجار القرم والأعشاب البحرية، وتحديداً في متنزه القرم الوطني وموائل جزيرة الفطيسي، تحتضن مستويات أعلى من هذا التنوع التطوري. هذا يعني أن هذه الموائل تدعم سلالات سمكية أكثر تبايناً وتمايزاً من بعضها البعض، مما يشير إلى عمق تاريخي وتكيف بيولوجي متقدم.
على النقيض تماماً، سجلت قناة الحديريات، وهي موقع مطور حديثاً، انخفاضاً ملحوظاً في التنوع التطوري. هذا الفارق الحاد يثبت أن التنمية العمرانية، مهما كانت مدروسة، تترك بصمتها على البنية الجينية للمجتمعات البحرية. يبدو أن المجتمعات في المواقع الحديثة لا تزال في طور التشكل، بينما تحتفظ موائل القرم بأصالتها البيولوجية المعقدة.

مختبر الخليج العربي القاسي
الخليج العربي ليس مجرد ممر مائي، بل هو بيئة استثنائية تختبر قدرة الحياة على البقاء. المياه الضحلة شبه المغلقة، والحرارة القاسية صيفاً، والملوحة المرتفعة، تجعل منه مكاناً تعيش فيه الكائنات على حافة التحمل. لهذا السبب، يرى العلماء أن فهم هذه النظم البيئية القاسية هو مفتاح لفهم ما قد تواجهه البحار الأخرى في المستقبل القريب.
إن الرصد البيئي الدقيق والمستمر ليس رفاهية علمية، بل هو ضرورة استراتيجية. إذا عرفنا كيف تتكيف هذه السلالات مع الظروف القصوى في أبوظبي، سنتمكن من التنبؤ بمرونة الأنواع الأخرى في مواجهة تغيّر المناخ العالمي. الدراسة التي قادتها الباحثة راشيل هارلي وتحت إشراف الدكتور جان لوك جونغ، توفر لنا خريطة طريق لفهم هذا التكيف العميق.

دور البشر في رسم الخريطة البيئية
لا يمكن فصل هذه النتائج عن السياق الإنساني المحيط بها. التطوير العمراني الضخم في أبوظبي ساهم في تشكيل هذه الموائل، لكنه أيضاً فرض ضغوطاً جديدة. مرسى البطين، مثلاً، احتل مرتبة وسطى في النتائج، مما يعكس تفاعل معقد بين التطور البشري والبيئة الطبيعية. إن هذه البيانات تقدم مؤشراً أولياً إلى دور هذه الموائل في الحفاظ على التنوع البيولوجي وسط بيئة حضرية نشطة.
الخطوة القادمة ليست مجرد نشر الأرقام، بل استخدامها كمرجع لاتخاذ قرارات التخطيط العمراني المستقبلي. فهم أن موائل القرم والأعشاب البحرية هي خزانات للتنوع التطوري، يعني أنها تحتاج إلى حماية خاصة تتجاوز مجرد حظر الصيد أو التلوث. إنها أصول بيئية استراتيجية يجب أن تدخل في كل معادلة للتطوير الساحلي.
نحو جيل جديد من الرصد البيئي
ما تتركه هذه الدراسة هو إحساس بأننا بدأنا فقط في قراءة كتاب الطبيعة. تقنية الحمض النووي البيئي تمنحنا قدرة غير مسبوقة على رؤية ما هو غير مرئي، وتحويل مياه البحر إلى أرشيف حي للذاكرة البيئية. في أبوظبي، حيث يلتقي البحر بالمدينة، تصبح هذه البيانات هي اللغة المشتركة بين المخططين والعلماء والحافظين على البيئة.
إن فهم هذه الشيفرة البيئية هو استثمار في المستقبل البيئي للإمارة. كل عينة ماء تُمثل فرصة لتعلم المزيد عن الكائنات التي تعتمد عليها صحتنا واقتصادنا. نحن لسنا مجرد سكان لهذه السواحل، بل شركاء في هذا النظام البيئي المعقد الذي يستمر في مفاجأتنا بتعقيده وغناه.
الأسئلة الشائعة

Keep subscribing to كريم الحماديHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
