تشهد صناعة الروبوتات الشبيهة بالإنسان تحولا كبيرا هذا العام، إذ انتقلت من مجرد عروض دعائية إلى الانتشار الفعلي داخل المصانع والمستودعات، مع دخول تسلا وبوسطن ديناميكس وفيغر وسامسونغ في منافسة محتدمة على هذا السوق الواعد.
لسنوات طويلة ظلت الروبوتات الشبيهة بالإنسان مجرد وعود لامعة تظهر في المؤتمرات التقنية وتثير الإعجاب لدقائق معدودة، قبل أن تعود إلى المختبرات دون أن تترك أثرا يذكر في حياتنا اليومية. لكن عام 2026 يبدو مختلفا تماما عن كل ما سبقه من سنوات.
فبحسب تقارير متخصصة، بدأت هذه الآلات تخرج أخيرا من مرحلة الاستعراض الدعائي لتدخل فعليا إلى المصانع والمستودعات، حيث تؤدي مهام حقيقية إلى جانب العمال. هذا التحول من الحلم إلى التطبيق هو ما يجعل الحديث عن الروبوتات البشرية اليوم أكثر جدية من أي وقت مضى.
من الوعود إلى المصانع
تشير تقديرات مؤسسة كاونتربوينت للأبحاث إلى أن أكثر من خمسين ألف روبوت شبيه بالإنسان سيعمل تجاريا خلال عام 2026، صعودا من نحو ستة عشر ألفا فقط في نهاية عام 2025. هذه القفزة الكبيرة خلال عام واحد تعكس مدى تسارع وتيرة الانتشار في هذا القطاع الناشئ.
ولا يقتصر الأمر على الأرقام الحالية، إذ تتوقع مؤسسات مالية كبرى نموا هائلا في السنوات المقبلة. فبنك غولدمان ساكس يقدر أن يصل حجم سوق الروبوتات البشرية إلى نحو ثمانية وثلاثين مليار دولار بحلول عام 2035، بينما يذهب بنك مورغان ستانلي إلى توقع رقم أضخم يقارب مئة واثنين وخمسين مليار دولار بحلول عام 2040.
تسلا تراهن على مصانعها
تعد شركة تسلا من أبرز اللاعبين في هذا السباق عبر روبوتها المعروف باسم أوبتيموس. وبحسب ما نشر، تجاوز الإنتاج التراكمي لهذا الروبوت خمسين ألف وحدة، في حين يمكن للجيل الثالث منه أداء نحو خمس وعشرين مهمة مختلفة من مهام المناولة والتعامل مع الأجسام.
وتنتشر هذه الوحدات بشكل أساسي داخل مصانع الشركة نفسها، حيث تتولى عمليات متكررة مثل التقاط القطع ووضعها وفرز خلايا البطاريات وأعمال التجميع الخفيف. وقد عرضت الشركة الجيل الثالث من الروبوت أمام الجمهور في شنغهاي خلال شهر مارس الماضي، مع استهداف رفع الإنتاج بشكل كبير خلال العام الحالي.
بوسطن ديناميكس وهيونداي

على الجبهة الأخرى، بدأت شركة بوسطن ديناميكس تأجير نسختها الكهربائية بالكامل من روبوت أطلس للاستخدام التجاري. وتخطط الشركة لنشر عشرات الآلاف من هذه الوحدات في منشآت مجموعة هيونداي للسيارات، بدءا من مركز خاص مخصص لتطبيقات الروبوتات تابع للمجموعة.
ويتميز روبوت أطلس بقدرته على رفع أوزان تصل إلى نحو خمسين كيلوغراما، إضافة إلى قدرته على التكيف مع البيئات المتغيرة وتعلم مهام جديدة بسرعة نسبية. وبحسب الخطط المعلنة، فإن وحدات هذا العام مخصصة لهيونداي ولشراكة مع قسم الأبحاث في غوغل، على أن يتوسع نطاق العملاء في العام المقبل.
منافسون جدد يدخلون الحلبة
لم تعد المنافسة محصورة في اسمين أو ثلاثة، فقد أعلنت شركة فيغر الناشئة أنها تجاوزت عتبة عشرة آلاف عملية نشر لروبوتاتها عبر مستودعات شركائها. هذا الرقم يضعها ضمن أبرز المنافسين ويؤكد أن السوق يتسع لأكثر من لاعب واحد قادر على التوسع بسرعة كبيرة.
أما عملاق الإلكترونيات الكوري سامسونغ، فيستعد بدوره لدخول هذا المجال بقوة عبر شركته التابعة رينبو روبوتيكس. وتركز هذه الأخيرة على الروبوتات الصناعية مثل نموذج ثنائي الذراع مصمم لحمل الأحمال الثقيلة، بينما يتجه اهتمام سامسونغ نفسها نحو تطوير روبوت بشري متعدد الاستخدامات.
وتشير التقارير إلى أن سامسونغ قد تكشف عن روبوتها البشري الجديد خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية المرتقب مطلع عام 2027. هذا التوقيت يعكس رغبة الشركة في اللحاق بالركب قبل أن يترسخ تفوق المنافسين الأوائل في هذا القطاع الواعد والمتسارع.
لماذا الآن تحديدا
يعزو خبراء هذا التحول إلى تقاطع عدة عوامل نضجت في الوقت نفسه، أبرزها التقدم الكبير في الرقائق المتخصصة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تمنح الروبوت قدرة أفضل على الإدراك واتخاذ القرار. فقد لوحظ في معرض الإلكترونيات الأخير أن الحديث انتقل من مجرد الوعود إلى خطط نشر ملموسة.
ومع ذلك، يبقى الطريق أمام هذه الآلات طويلا قبل أن تصبح مشهدا مألوفا في حياتنا اليومية خارج أسوار المصانع. فالتكلفة المرتفعة والتحديات التقنية والأسئلة المتعلقة بأثرها على سوق العمل كلها عوامل ستحدد سرعة انتشارها في السنوات المقبلة.
ما يبدو مؤكدا اليوم هو أن الروبوتات الشبيهة بالإنسان لم تعد خيالا علميا بعيدا، بل تحولت إلى صناعة حقيقية تتنافس فيها كبرى الشركات على حصة من سوق يقدر له أن يصبح من أضخم أسواق التقنية في العقود المقبلة. ويبقى علينا متابعة هذا السباق عن كثب.
تعلمت الكثير عن روبوتات بشرية هنا.