تمنع السعودية تداول العملات المشفرة على الأفراد, لكنها في الوقت نفسه تستثمر في تقنية البلوك تشين وتستكشف عملة رقمية للبنك المركزي. نظرة على المقاربة الحذرة التي تفصل بين المضاربة الممنوعة والابتكار المؤسسي.
تبدو علاقة السعودية بالعملات الرقمية مليئة بالتناقض الظاهري. فمن جهة، تمنع المملكة مواطنيها من تداول العملات المشفرة وتحذر منها مرارا، ومن جهة أخرى تضخ جهودا ملموسة في تقنية البلوك تشين وتستكشف إصدار عملة رقمية خاصة ببنكها المركزي. هذا المسار المزدوج ليس ارتباكا، بل استراتيجية مدروسة تفصل بوضوح بين المضاربة الفردية والابتكار المؤسسي.
المسار الأول: الحظر على الأفراد
على مستوى الأفراد، الموقف حاسم ولا لبس فيه. فالعملات المشفرة غير قانونية في المملكة، بعدما أعلنت لجنة حكومية في عام 2018 أن العملات الافتراضية غير مشروعة وغير مرخصة. ويمتد هذا المنع ليشمل التداول والتعامل بها بالنسبة للأفراد والكيانات على حد سواء، إذ لا توجد أي جهة مرخصة لمزاولة الأنشطة المرتبطة بهذه العملات داخل البلاد.
وتتكرر التحذيرات الرسمية من أكثر من جهة. فمؤسسة النقد العربي السعودي وهيئة السوق المالية ووزارة المالية أصدرت جميعها تنبيهات متتالية بشأن مخاطر هذه الأصول، فيما تلاحق الوزارة قانونيا الجهات التي تدعي زورا ارتباطها بالمملكة للترويج لمشاريع مشبوهة. الهدف المعلن هو حماية المدخرين من التقلبات الحادة ومن عمليات الاحتيال.
المسار الثاني: الدولة تبني على البلوك تشين

في المقابل، لا يعني رفض المضاربة رفض التقنية نفسها. فالدولة تتبنى البلوك تشين بحماس عندما يتعلق الأمر بالاستخدام المؤسسي المنضبط. ويعود أحد أبرز الأمثلة إلى عام 2019 مع مشروع عابر، وهو مبادرة مشتركة مع الإمارات لإصدار عملة رقمية تجريبية، ركزت على التسويات بين البنوك والمدفوعات العابرة للحدود بعيدا عن الاستخدام الفردي.
واليوم يستكشف البنك المركزي بجدية إصدار عملة رقمية رسمية موجهة للاستخدام المؤسسي، ضمن توجه أوسع لتقليل الاعتماد على النقد. مثل هذه العملة لن تحل محل الأوراق النقدية بين ليلة وضحاها، لكنها قد ترقمن التسويات بين البنوك وتفتح لاحقا الباب أمام صيغ أكثر تطورا، مع بقاء الريال مربوطا بالدولار كما هو الحال اليوم.
تجربة mBridge والخروج الهادئ
من أوضح تجليات هذا التوجه مشاركة المملكة في منصة mBridge، وهي منصة تجمع عدة بنوك مركزية لتسوية المدفوعات العابرة للحدود مباشرة على سجل بلوك تشين مشترك باستخدام عملاتها الرقمية. انضمت السعودية مراقبا في عام 2023، ثم أصبحت عضوا كاملا في 2024، قبل أن تكمل مرحلة إثبات المفهوم في مايو 2025.
بعد إتمام التجربة، لم تعد المملكة عضوا مشاركا في المنصة، التي تواصل عملها مع أطراف أخرى مثل بنك الصين المركزي وسلطة النقد في هونغ كونغ وبنك تايلاند والمصرف المركزي الإماراتي، إضافة إلى ماكاو التي فعّلت النظام في يونيو 2026. هذا الانسحاب يبدو رمزيا أكثر منه تقنيا، إذ جاء بعد استكمال الاختبار لا تراجعا عن التقنية ذاتها.
شراكات وتجارب جديدة
على التوازي، تستمر الشراكات المتصلة بالبلوك تشين في التوسع. فقد أفادت تقارير بأن شركة ريبل، المرتبطة بعملة مستقرة، وقّعت مذكرة تفاهم مع جيل، الذراع المتخصصة في الابتكار التابعة لأحد البنوك السعودية، لدراسة كيفية تطبيق تقنية السجلات الموزعة على البنية المالية في المملكة. مثل هذه الخطوات تكشف عن فضول مؤسسي حقيقي تجاه إمكانات التقنية.
لماذا هذا التناقض الظاهري
المفتاح لفهم هذه المقاربة هو التمييز بين شيئين مختلفين تماما. فالمضاربة على عملات مشفرة متقلبة يصعب التحكم فيها تعتبر مصدر خطر على المستثمر الفرد، بينما تمثل تقنية البلوك تشين الخاضعة لإشراف الدولة أداة لرفع كفاءة المدفوعات والتسويات. المملكة ترفض الأولى بحزم، بينما تحتضن الثانية ضمن إطار محكم تسيطر عليه المؤسسات الرسمية.
بهذا المنطق، تسعى الدولة إلى تحقيق هدفين في آن واحد. فهي تحمي المواطن من التقلبات ومن عمليات النصب المرتبطة بالسوق غير المنظمة، وفي الوقت نفسه تلتقط الفوائد التقنية التي يوفرها السجل الموزع في مجال المدفوعات. إنها رقمنة حذرة تسير من الأعلى إلى الأسفل، بخطى مدروسة بدلا من الانفتاح الكامل والفوضوي.
ماذا يعني هذا للمستقبل
على المدى المنظور، من المرجح أن يتبلور مسار العملة الرقمية للبنك المركزي أولا في التسويات بين البنوك، ثم ربما يتوسع تدريجيا نحو استخدامات أقرب إلى المستهلك. في المقابل، يبقى تداول العملات المشفرة على الأفراد ضمن دائرة الحظر، في تباين واضح مع دول خليجية أخرى اختارت انفتاحا أكبر على هذا القطاع، مثل الإمارات المجاورة.
بالنسبة للمواطن ورجل الأعمال، تبقى الرسالة العملية واضحة. فالطريق الآمن يمر عبر القنوات الرسمية والمنظمة لا عبر أسواق العملات المشفرة الممنوعة، والأجدر متابعة تطورات الريال الرقمي عن كثب. أما محاولة الالتفاف على القواعد فتنطوي على مخاطر قانونية ومالية حقيقية لا ينبغي الاستهانة بها في ظل هذا الإطار الصارم.
في الخلاصة، لا تعبّر السياسة السعودية عن تردد بقدر ما تعكس خيارا واعيا. المملكة تريد ثمار التقنية دون مخاطر المضاربة، وتفضل أن تبني بنيتها الرقمية بنفسها وعلى إيقاعها الخاص. وبينما يتسارع العالم نحو الأصول الرقمية بمختلف أشكالها، تراهن الرياض على أن الحذر المنظم قد يكون في النهاية أكثر استدامة من الاندفاع.
الأسئلة الشائعة

Keep subscribing to ليلى حدادHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
