لم تعد النقود الورقية الخيار الوحيد. تستكشف المملكة العربية السعودية منذ سنوات فكرة الريال الرقمي، بدءًا من مشروع عابر مع الإمارات وصولًا إلى تجارب المدفوعات بين البنوك. جولة في رحلة المملكة نحو عملة رقمية للبنك المركزي.
في عالم يتجه بخطى متسارعة نحو الرقمنة، لم تعد فكرة النقود الورقية والمعدنية هي الخيار الوحيد المطروح على الطاولة. فالبنوك المركزية حول العالم باتت تدرس بجدية إصدار نسخ رقمية من عملاتها الوطنية، والمملكة العربية السعودية ليست بمنأى عن هذا التوجه، إذ تخطو بثبات نحو استكشاف ما يعرف بالريال الرقمي.
ما هي العملة الرقمية للبنك المركزي
قبل الغوص في التفاصيل، من المفيد توضيح المقصود بهذا المصطلح الذي بات يتردد كثيرًا. فوفقًا للتعريفات المتداولة، العملة الرقمية للبنك المركزي هي نسخة إلكترونية من العملة الرسمية للدولة، تصدرها الجهة النقدية مباشرة، وتتمتع بالدعم والضمان نفسه الذي تحظى به الأوراق النقدية التقليدية.
ويكمن الفارق الجوهري بينها وبين العملات المشفرة الشائعة في مسألة الجهة المصدرة لها. فبينما تدار العملات المشفرة عادة بشكل لامركزي وبعيدًا عن سيطرة أي حكومة، تبقى العملة الرقمية للبنك المركزي تحت إشراف السلطة النقدية الرسمية، وهو ما يمنحها استقرارًا وثقة أكبر لدى المستخدمين.
بدايات التجربة السعودية
لم تبدأ رحلة المملكة في هذا المجال بالأمس القريب، بل تعود جذورها إلى عدة سنوات مضت. فبحسب ما ورد، انطلقت أولى الخطوات الجادة من خلال مشروع مشترك عرف باسم عابر، نفذ بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة خلال عامي 2019 و2020 بهدف اختبار هذه التقنية الواعدة.
وقد حمل ذلك المشروع في طياته دلالة مهمة على مستوى المنطقة بأكملها. فقد كان هدفه الأساسي، وفق ما أعلن، اختبار إمكانية استخدام عملة رقمية للبنوك المركزية في تسوية المدفوعات بين البلدين، في تجربة رائدة جمعت بين اثنين من أكبر الاقتصادات الخليجية في مسعى مشترك نحو الابتكار المالي.
تركيز على المعاملات بين البنوك
من المهم الإشارة إلى أن التركيز الأساسي في هذه التجارب لم يكن منصبًا على المستهلك العادي. فبحسب المعلومات المتاحة، انصب الاهتمام على ما يعرف بالتطبيقات بالجملة، أي المعاملات التي تجري بين البنوك نفسها، وليس بالضرورة على المدفوعات اليومية الصغيرة التي يجريها الأفراد.
وهذا التوجه يعكس رؤية محددة لأولويات المرحلة الحالية من التطوير. فتطوير البنية التحتية للمدفوعات بين المؤسسات المالية الكبرى يعد، وفق المختصين، خطوة تأسيسية ضرورية، تمهد الطريق لاحقًا لأي تطبيقات أوسع قد تصل في المستقبل إلى عموم الجمهور.
تقنية السجلات الموزعة

تعتمد هذه العملات الرقمية في جوهرها على تقنية حديثة تعرف بالسجلات الموزعة. فوفقًا للشروحات المتوفرة، تتيح هذه التقنية تسجيل المعاملات وتخزينها بطريقة آمنة وشفافة عبر شبكة كاملة من الحواسيب، بدلًا من الاعتماد على سجل مركزي واحد فقط قد يكون عرضة للاختراق أو التعطل.
وتكمن أهمية هذه التقنية في السرعة والكفاءة اللتين توفرهما لعمليات الدفع. فمن خلالها، يصبح بالإمكان، وفق ما ورد، تنفيذ عمليات الدفع والتسوية بشكل شبه فوري، بما في ذلك المعاملات العابرة للحدود التي كانت تستغرق تقليديًا وقتًا أطول وتمر عبر وسطاء متعددين.
تجارب عابرة للحدود
ولم تقتصر جهود المملكة على التجارب المحلية أو الثنائية فحسب. فبحسب ما ورد، شارك البنك المركزي السعودي خلال عام 2024 في مبادرة دولية أوسع تضم عدة بنوك مركزية، وذلك بهدف اختبار منصة مشتركة للمدفوعات الرقمية العابرة للحدود بين الدول المشاركة في التجربة.
وقد وصلت تلك التجربة إلى محطة مهمة في العام الذي تلاه. فوفق ما أعلن، أتم البنك المركزي مرحلة إثبات المفهوم الخاصة بتلك المبادرة في عام 2025، لتطوى بذلك صفحة من التجارب الاستكشافية التي أسهمت في تعميق فهم هذه التقنية وإدراك إمكاناتها المستقبلية على نحو أوضح.
أين نحن الآن
ويرى كثير من المتابعين أن مجرد خوض هذه التجارب يحمل قيمة كبيرة في حد ذاته. فهو يمنح المملكة خبرة تقنية ثمينة ويضعها ضمن الدول التي تستعد مبكرًا لعصر مالي جديد، قد تصبح فيه العملات الرقمية الرسمية جزءًا مألوفًا من المشهد الاقتصادي العالمي في السنوات المقبلة.
ورغم كل هذه الخطوات، يبقى من المهم توضيح نقطة جوهرية للقارئ. فحتى اللحظة، لا يزال الريال الرقمي بعيدًا عن الاستخدام اليومي للأفراد، ولم يعلن عن موعد نهائي لإطلاقه للجمهور، غير أن هذه التجارب المتراكمة تمهد الطريق لبنية مالية أكثر تطورًا قد تعيد تشكيل ملامح المعاملات مستقبلًا.

Keep subscribing to ليلى حدادHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
