بعد عام قياسي في 2025، شهد النصف الأول من 2026 تمويلاً أكثر تحفظاً للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع تصدر الإمارات وقطاع التكنولوجيا المالية.
شهد قطاع الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سنوات من النمو المتسارع، لكن عام 2026 يحمل صورة أكثر تعقيداً. فبعد أرقام قياسية سجلها عام 2025، يبدو أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً وانتقائية في توجيه أموالهم. المشهد لم يعد مجرد سباق نحو الأرقام الكبيرة، بل بات يتطلب قراءة أدق للاتجاهات.
عام قياسي في 2025
لفهم الصورة الحالية، لا بد من العودة إلى العام الماضي. فوفقاً لتقرير منصة ومضة، تمكنت نحو ستمئة وسبع وأربعين شركة ناشئة في المنطقة من جمع ما مجموعه سبعة مليارات ونصف المليار دولار خلال عام 2025. ويمثل هذا الرقم قفزة هائلة بنسبة تقارب مئتين وخمسة وعشرين بالمئة مقارنة بالعام الذي سبقه.
اللافت أن الزخم تركز بشكل خاص في النصف الثاني من ذلك العام. ففي الفترة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر، جمعت نحو ثلاثمئة وعشر شركات ما قيمته خمسة مليارات وسبعمئة مليون دولار، مقابل نحو ملياري دولار فقط في النصف الأول. هذا التسارع أعطى انطباعاً بأن القطاع يسير في مسار تصاعدي لا يتوقف.
نصف أول أكثر تحفظاً في 2026
غير أن بداية عام 2026 جاءت لتصحح هذا الانطباع قليلاً. فخلال النصف الأول من العام، جمعت الشركات الناشئة في المنطقة نحو مليار وسبعمئة مليون دولار عبر مئتين واثنتين وأربعين جولة تمويلية. ويمثل ذلك تراجعاً بنحو ثمانية عشر بالمئة مقارنة بالنصف الأول من 2025، بينما انخفض عدد الجولات بنسبة أكبر بلغت ثمانية وعشرين بالمئة.
وتؤكد بيانات الربع الثاني هذا التوجه الأكثر حذراً. ففي تلك الفترة، بلغ إجمالي التمويل نحو سبعمئة وثلاثة وتسعين مليون دولار موزعة على مئة وأربع صفقات، بانخفاض قدره ستة عشر بالمئة مقارنة بالربع الأول من العام نفسه. هذه الأرقام تشير إلى أن رأس المال أصبح متاحاً بشروط أكثر صرامة من ذي قبل.
الإمارات في الصدارة

رغم التباطؤ العام، برزت الإمارات كوجهة استثمارية استثنائية. فقد استحوذت الشركات الناشئة في الدولة على نحو مليار ومئتي مليون دولار عبر ثلاث وثمانين صفقة، أي ما يقارب سبعين بالمئة من إجمالي رأس المال في المنطقة. والأهم أن هذا الرقم يمثل نمواً كبيراً بنسبة مئة وخمسة وعشرين بالمئة على أساس سنوي.
أما بقية دول المنطقة فجاءت خلف الإمارات بفارق واضح. فقد جمعت الشركات الناشئة في المملكة العربية السعودية نحو مئتين وتسعة وخمسين مليون دولار عبر ثمانين صفقة، بينما حصلت الشركات المصرية على ما يقارب مئة وتسعة وخمسين مليون دولار عبر تسع وعشرين صفقة. هذا التوزيع يعكس تركز رأس المال في عدد محدود من الأسواق.
التكنولوجيا المالية تتصدر القطاعات
على مستوى القطاعات، حافظت التكنولوجيا المالية على مكانتها كأكبر مجال جاذب للاستثمار. فقد استقطبت وحدها نحو سبعمئة وثمانية ملايين دولار عبر إحدى وخمسين صفقة خلال النصف الأول من العام. ويأتي هذا التفوق نتيجة الحاجة المتزايدة إلى حلول الدفع الرقمي والخدمات المالية الحديثة في مختلف أنحاء المنطقة.
وحلت قطاعات أخرى في المراتب التالية. فقد جاءت الخدمات اللوجستية في المركز الثاني بنحو ثلاثمئة وخمسة عشر مليون دولار، تلتها التكنولوجيا العقارية بنحو مئتين وواحد وأربعين مليون دولار. هذا التنوع يشير إلى أن اهتمام المستثمرين لم يعد محصوراً في مجال واحد، بل يمتد إلى قطاعات تلامس الحياة اليومية.
تحديات لا تزال قائمة
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فأحد أبرز التحديات هو تركز التمويل بشكل متزايد في أسواق وقطاعات محدودة، ما يترك مساحة ضيقة أمام مشاريع واعدة في بلدان أخرى. كما تظل الفجوة بين الجنسين لافتة، إذ حصلت الشركات التي يقودها رجال على الحصة الأكبر بفارق كبير جداً عن تلك التي تقودها نساء.
لماذا يهم هذا
يتجاوز هذا الملف حدود عالم المال والأعمال، إذ إن الشركات الناشئة تمثل محركاً أساسياً لخلق فرص العمل وتطوير الحلول التقنية في المنطقة. ومن المتوقع أن يتضاعف حجم رأس المال الموجه نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، ما قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمار ويفتح أبواباً جديدة أمام رواد الأعمال في السنوات المقبلة.
في المحصلة، يرسم عام 2026 صورة لقطاع ناضج يمر بمرحلة إعادة توازن. فالتمويل قد يكون أكثر انتقائية من الماضي، لكن الأسس التي بُني عليها النمو لا تزال قائمة، من ريادة الأعمال النشطة إلى الطلب المتزايد على الحلول الرقمية. التحدي الأكبر يبقى في توسيع دائرة المستفيدين لتشمل المنطقة بأكملها.
