خطة إماراتية طموحة ترسل مسباراً مصمماً محلياً للتحليق حول 7 كويكبات، على أن ينتهي المطاف به في هبوط عنيف على جوستيتيا، جرم غامض قد يحمل أسرار نشأة الحياة.
في قاعة مؤتمرات صامتة بأبوظبي، لم يكن المشهد شبيهاً بعرض ترويجي تقليدي. وقف فريق مهندسين أمام نموذج بنصف الحجم لروبوت فضائي صغير، ليس ليعرضوا تحفة فنية، بل ليعلنوا عن خطة جريئة تقطع 5 مليارات كيلومتر. المسبار، الذي صُمم وطُوّر محلياً بالكامل، يستعد لرحلة استكشاف تمتد 8 سنوات عبر حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، وتنتهي بمحاولة هبوط على كويكب أحمر غامض يُدعى 269 جوستيتيا.
هذه ليست مجرد مهمة فضائية عادية، بل هي ثاني مشروع إماراتي لاستكشاف الفضاء بين الكواكب بعد مسبار الأمل الذي يدور حول المريخ منذ 2021. الفرق هذه المرة هو الهدف: كويكب يبدو وكأنه ينتمي لمكان آخر تماماً في المجموعة الشمسية، وقد يحمل أسراراً عن نشأة الحياة نفسها.
لماذا هذا الكويكب الأحمر؟
لونه الأحمر الداكن غير المعتاد هو ما يجعل العلماء يفقدون نومهم. جوستيتيا أقرب في خصائصه اللونية إلى الأجرام الجليدية البعيدة في حزام كايبر وراء نبتون، منه إلى جيرانه في حزام الكويكبات. هذا التباين الغريب يقود نظرية مثيرة: ربما تشكل هذا الكويكب في الأطراف الباردة البعيدة للمجموعة الشمسية، ثم انتقل إلى موقعه الحالي خلال المراحل الأولى من تاريخها.
إذا صحت هذه النظرية، فربما يحتفظ جوستيتيا بمعادن مرتبطة بالماء ومركبات عضوية قديمة لم تتغير منذ مليارات السنين. دراسة هذه المواد قد تفتح نافذة لفهم كيفية انتقال المياه والمواد الأولية المرتبطة بنشأة الحياة بين أجرام المجموعة الشمسية. نحن هنا لا ندرس صخرة، بل نقرأ أرشيفاً حياً لتاريخ الكون.

رحلة عبر 5 مليارات كيلومتر
المسبار الصغير لن يذهب وحده. إنه سيعمل على متن مركبة رئيسية تُدعى المستكشف محمد بن راشد، التي ستقطع المسافة الهائلة مستفيدة من جاذبية الزهرة والأرض والمريخ لتعديل مسارها. هذه الحيلة الفلكية، المعروفة بالدفع بالمرور الجاذبي، توفّر وقوداً ضخماً وتسمح للمركبة بالوصول إلى أهدافها ضمن نافذة زمنية ضيقة.
خطة الرحلة واضحة: المرور بالقرب من 6 كويكبات لدراستها من مسافة قريبة، قبل الوصول عام 2036 إلى الهدف النهائي، جوستيتيا، الذي يبلغ قطره نحو 50 كيلومتراً. بعد ذلك، ستقضي المركبة نحو 7 أشهر في مدار الكويكب، تدرسه وتصوره، قبل إطلاق المسبار الصغير نحو سطحه في لحظة قد تغيّر فهمنا للفيزياء الفلكية.

هبوط عنيف وصور من مسافة قريبة
هنا تكمن الإثارة الحقيقية، والخشية في الوقت نفسه. على عكس المسابير المصممة للهبوط الهادئ والبطيء، لا يملك المسبار الإماراتي أي وسيلة فعالة لتخفيف سرعته. سيصل إلى سطح الكويكب بسرعة تتراوح بين 15 و27 متراً في الثانية، وهو ما يعادل سرعة سيارة سباق.
النتيجة المحتملة؟ اصطدام المسبار بالسطح وتدميره. لكن الفريق لا يرى في ذلك فشلاً، بل فرصة. أثناء رحلة الهبوط التي قد تستغرق من ساعتين إلى ثلاث ساعات، يأملون أن تنجح كاميرتا المسبار في التقاط صور تفصيلية غير مسبوقة. والأسوأ قد يكون الأفضل: الاصطدام قد يحفر حفرة صغيرة تكشف مواد مدفونة تحت السطح يصعب دراستها من المدار. وإذا نجا المسبار، فستتيح بطاريته مواصلة العمل من 20 إلى 50 دقيقة إضافية.

ذكاء اصطناعي في قلب الفضاء
التحدي الأكبر ليس المسافة، بل الوقت. لا يمكن إرسال تعليمات مباشرة من الأرض في اللحظة المناسبة، لأن الإشارة تحتاج ساعات للوصول. لهذا، صُمم المسبار للعمل بشكل مستقل تماماً باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. هو من يختار الصور الأكثر أهمية، وهو من يقرر أي البيانات تستحق أن تُرسل إلى الأرض، دون انتظار أوامر.
هذا الاستقلال الذكي ليس رفاهية تقنية، بل ضرورة للبقاء. في بيئة فضاء بعيدة، حيث كل ثانية تُحسب، يجب أن يكون الجهاز قادراً على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة. إن نجاح هذه المهمة سيعني أننا لا نرسل فقط روبوتاً إلى الفضاء، بل نرسل عقلاً صغيراً قادراً على التفاعل مع المجهول.
تحدي النافذة الزمنية
الالتزام بموعد الإطلاق في مارس 2028 من اليابان هو التحدي العملي الأكبر. نافذة الإطلاق المناسبة لا تتجاوز 3 أسابيع فقط، وهو ما يعني أن أي تأخير قد يؤجل المهمة لسنوات. هذا الضغط الزمني يجعل كل مرحلة من مراحل التطوير والاختبار حاسمة، ويضع الفريق أمام سباق مع الزمن حقيقي.
لكن إذا نجحت، ستكون هذه واحدة من أكثر مهام استكشاف الفضاء طموحاً في تاريخ البشرية. ليس لأنها تذهب بعيداً، بل لأنها تذهب إلى مكان غامض، بطريق عنيف، بحثاً عن إجابات قد تعيد كتابة كتب الفيزياء الفلكية.
