تقرير حصري عن التحول الاستراتيجي في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في الإمارات، حيث تتحول التركيز نحو النماذج المتخصصة للهجة الإماراتية ومشاريع حماية البيانات الحيوية.
لم تكن قاعة مؤتمر «أبوظبي 2026» مسرحاً لمناقشة أرقام المعالجات أو حجم النماذج العملاقة كما اعتدنا، بل كان السؤال المحوري هو: من يمتلك القدرة الفعلية على فهم لهجتنا وتأمين بياناتنا؟ هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأجندة، بل هو اعتراف صريح بأن السباق التقليدي للأرقام المجردة انتهى، وبدأت الإمارات في بناء منظومات ذات سيادة حقيقية تستجيب للواقع المحلي.
ما شهدناه في الساعات الأخيرة يتجاوز كونه مجرد إعلانات شركات، فهو إعادة هيكلة جذرية للبنية التحتية الرقمية. من جهة، نرى ظهور نماذج ذكاء اصطناعي مصممة خصيصاً للهجة الإماراتية، ومن جهة أخرى، تتشكل تحالفات استراتيجية لحماية البيانات الحساسة. هذا المزيج يعكس نضجاً في الفهم التقني؛ فالنماذج الضخمة قد تكون مفيدة، لكن الثقة تُبنى عبر النماذج المتخصصة، والبقاء في الأزمات يُضمن بالمخابئ الوطنية.
فالحكومي: اللغة ليست مجرد بيانات بل هوية
أعلن معهد الابتكار التكنولوجي عن إطلاق «فالكون إماراتي»، نموذج لغوي بملياري معلمة مصمم خصيصاً للهجة الإماراتية. الرقم الأبرز هنا هو دقة 84.83% على المعيار الأصلي للغة الإماراتية، متجاوزاً جميع النماذج المفتوحة المصدر العربية والثنائية اللغة التي خضعت للتقييم. هذا ليس مجرد تحسين تقني، بل اعتراف بأن اللغة العربية ليست كتلة واحدة متجانسة يمكن معالجتها بمقاس واحد.
فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة لشؤون الأبحاث الاستراتيجية، لخص الفكرة قائلاً: «لغتنا تنتمي إلى المستقبل الذي نبنيه». هذه العبارة تختصر فلسفة جديدة في تطوير الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الهوية الثقافية محركاً للتطوير بدلاً من أن تكون عائقاً. النموذج لا يكتفي بفهم الكلمات، بل يلتقط التعبيرات والأصطلاحات والسياق الثقافي الذي تفشل النماذج العالمية في التقاطه بدقة.
بجانب «فالكون إماراتي»، أُطلق «فالكون ASR» لنطق الكلام، نموذج مدمج بملياري معلمة يتعامل مع العربية الفصحى والإماراتية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية. هذا التنوع ليس ترفاً، بل ضرورة عملية في مجتمع يضم ملايين المقيمين من جنسيات مختلفة. التطبيقات تمتد من خدمة العملاء متعددة اللغات إلى التسميع للجلسات والأدوات المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة.

المخابئ الوطنية: خط الدفاع الأخير للبيانات الحيوية
بينما تركز الأنظار على الذكاء الاصطناعي، حدث تطور موازٍ في الأمن السيبراني. أعلنت «ديل تكنولوجيز» ومجلس الأمن السيبراني الإماراتي و«سي بي إكس» عن شراكة لتطوير «الخزنة الوطنية». هذه المبادرة ليست قاعدة بيانات إضافية، بل طبقة حماية للبيانات التشغيلية الحساسة في قطاعات الحكومة والطاقة والرعاية الصحية والنقل.
الفكرة الجوهرية هنا هي «الاستمرارية التشغيلية» في السيناريوهات الأسوأ. إذا اختُرق البيئة الرئيسية أو فشلت أدوات الأمان التقليدية، توفر «الخزنة الوطنية» موطئ قدم للتعافي. هذا النهج يتجاوز مفهوم «الأمن» التقليدي ليدخل في «المرونة السيبرانية»، حيث يصبح الهدف ضمان استمرار الخدمات الحيوية مهما حدث، وليس فقط منع الهجوم.
هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص تعكس فهماً عميقاً للتحديات التي تواجه الاقتصاد الرقمي. في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية، أصبحت حماية البيانات الحساسة شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي. «الخزنة الوطنية» تضيف بُعداً عملياً لاستراتيجية الأمن السيبراني الوطنية، التي تضع المرونة والابتكار وبناء القدرات في صميم نهجها.

من التجربة إلى التبني: مركز التميز السيبراني
على هامش نفس القمة، أعلن مجلس الأمن السيبراني وشركة «إس سي سي ميدل إيست» عن إنشاء مركز تميز للمرونة السيبرانية والتقنيات الموثوقة. هذا المركز ليس مكتباً استشارياً، بل بيئة متخصصة تجمع الجهات الحكومية وشركاء التكنولوجيا لاختبار التقنيات الناشئة في حالات استخدام واقعية. التحدي الذي يعالجه هو الفجوة بين مرحلة «الاختبار» ومرحلة «التبني الآمن على نطاق واسع».
المبادرة تنقسم إلى ثلاث مراحل. الأولى تركز على بناء القدرات الوطنية عبر برامج تعليمية تنفيذية ومختبرات عملية. الثانية تشمل إطلاق حاضنة للشركات الناشئة لاختبار الابتكارات السيبرانية المحلية. الثالثة هي الأكثر طموحاً: دعم هذه التقنيات للوصول إلى الأسواق العالمية، وربطها بالعملاء وفرص الأعمال الدولية.
دانيال فالي، الرئيس التنفيذي لـ«إس سي سي ميدل إيست»، لخص التحدي بدقة: «التحدي لا يكمن في توفر التقنيات، بل في اختيار الأنسب منها وإثبات ملاءمتها». هذا التصحيح ضروري، لأن سوق التكنولوجيا مليء بحلول واعدة نظرياً لكنها تفشل عملياً بسبب عدم ملاءمتها للبيئة التشغيلية. مركز التميز يوفر مساحة آمنة لاختبار هذه الحلول قبل إطلاقها في بيئات حساسة.

يونيكورن جديدة: من المختبر إلى السوق
في مقابلة مع «بلومبيرغ»، كشف فيصل البناي عن توقعات بإطلاق عدة شركات «يونيكورن» جديدة في أبوظبي قبل نهاية العام. هذه الشركات ستقوم على تقنيات طورها «معهد الابتكار التكنولوجي»، وستعتمد على شراكات بين استثمارات القطاع الخاص والجهات الاستثمارية. هذا النموذج يعكس استراتيجية واضحة: استخدام البحث العلمي كرافعة لخلق شركات ذات قيمة سوقية تتجاوز مليار دولار.
المجالات المستهدفة تشمل الروبوتات وتقنيات القيادة الذاتية ومنتجات الأمن. هذه ليست قطاعات هامشية، بل محركات أساسية للاقتصاد الرقمي. البناي أشار إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تدعم قطاع الدفاع أيضاً، مما يضيف بُعداً استراتيجياً لجهود الابتكار. العام الجاري يشهد عدداً من الإعلانات المتعلقة بهذه التقنيات والشركات الناشئة العاملة فيها.
الميزة التنافسية للإمارات، حسب البناي، تكمن في الجمع بين الجهات التنظيمية والعملاء والشركات والتكنولوجيا والمواهب. البيئة المرنة التي تستقطب المواهب العالمية وتشجع على التجربة والاستثمار تمنح الدولة أفضلية في سباق الذكاء الاصطناعي. هذا ليس حظاً، بل نتيجة لسياسات مدروسة تخلق أرضية خصبة للابتكار.
الخلاصة: السيادة الرقمية كمبدأ عملي
ما تلمسه في هذه الإعلانات المتزامنة هو تحول جوهري في مفهوم السيادة الرقمية. لم تعد السيادة مجرد كلمات في الخطابات الرسمية، بل أصبحت ممارسة عملية: نماذج لغوية تفهم لهجتنا، ومخابئ تحمي بياناتنا، ومراكز تميز تختبر تقنياتنا، وشركات ناشئة تبني اقتصادنا الرقمي.
الرسالة واضحة: المستقبل التقني لا يُشترى جاهزاً من الأسواق العالمية، بل يُبنى محلياً مع الحفاظ على القدرة على التفاعل مع العالم. الإمارات تختار طريقاً مختلفاً، طريقاً يضع الهوية والسيادة في قلب الابتكار التقني. هذا النهج قد يكون أكثر كفاءة على المدى الطويل، لأنه يبني قدرات مستدامة بدلاً من الاعتماد على حلول خارجية قد تتغير مع تغيّر الأولويات الجيوسياسية.
الأسئلة الشائعة

Keep subscribing to ريم الخطيبHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Subscribe
