مع تحول الإمارات إلى واحدة من أكثر الدول رقمنة في العالم، أصبحت هدفا يوميا لمئات آلاف الهجمات السيبرانية. تكشف الأرقام الرسمية كيف تتصدى الدولة لهذه الموجة لحماية بنيتها التحتية واقتصادها وثقة المستثمرين.
بنت الإمارات خلال سنوات قليلة اقتصادا رقميا يعد من الأكثر تطورا في المنطقة، من الحكومة الذكية والدرهم الرقمي إلى مراكز الذكاء الاصطناعي الضخمة والمركبات ذاتية القيادة. لكن هذا التقدم اللافت له وجه آخر أقل بريقا، فكلما زاد اعتماد الدولة على البنية الرقمية، اتسع أمامها سطح الهجوم وأصبحت هدفا مغريا لمن يسعون إلى اختراقها.
حجم غير مسبوق من الهجمات
تكشف الأرقام الرسمية عن حجم يصعب تصوره من التهديدات اليومية. فبحسب مجلس الأمن السيبراني، تتصدى الدولة لما يقارب ثمانمئة ألف محاولة هجوم سيبراني في اليوم الواحد، فيما يجري رصد وصد ما بين تسعين ألفا ومئتي ألف هجمة يوميا قبل أن تصل إلى أهدافها. إنها معركة صامتة لا تتوقف على مدار الساعة.
ولا تقتصر هذه الأرقام على محاولات عابرة سهلة الصد، إذ سجلت الجهات المختصة منذ بداية عام ألفين وستة وعشرين أكثر من مئة وثمانية وعشرين حادثا أمنيا خطيرا ومؤكدا. وتنوعت هذه الحوادث بين محاولات اختراق لجهات حكومية وتسريبات للبيانات وهجمات فدية عدوانية استهدفت شل أنظمة حيوية بأكملها.
قطاعات في مرمى النيران

لم تكن هذه الهجمات عشوائية، بل ركزت على قطاعات بعينها تمثل عصب الاقتصاد. فقد بدأت الموجة باستهداف القطاع المالي الذي يعد الشريان الأهم، ثم امتدت لتطال قطاعي الطيران والطاقة، وهي مرافق يؤدي تعطيلها إلى أضرار واسعة تتجاوز الخسائر المالية المباشرة لتصل إلى الحياة اليومية للناس والثقة العامة.
وتظهر خطورة الأمر في المناسبات الكبرى التي تجتذب الأنظار، إذ أعلنت السلطات أن أنظمتها الدفاعية نجحت في صد نحو تسعين ألف هجمة استهدفت إحدى القمم الحكومية الدولية الكبرى وحدها. مثل هذه الأرقام تعكس أن الفعاليات ذات الطابع الرمزي والسياسي تتحول إلى ساحات مفضلة لاختبار الدفاعات الرقمية للدولة.
سلاح ذو حدين في يد المهاجمين
حذر مجلس الأمن السيبراني من تطور خطير في طبيعة هذه الهجمات، إذ باتت جماعات مجهولة تستعين بالذكاء الاصطناعي لتطوير أدوات هجومية متقدمة. فالتقنية نفسها التي تراهن عليها الدولة لبناء مستقبلها يمكن أن تتحول إلى سلاح في الاتجاه المعاكس، تستخدم لصياغة رسائل تصيد أكثر إقناعا وبرامج فدية أصعب في الكشف والتصدي.
هذا التطور يجعل المعركة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فالخصم لم يعد بالضرورة قرصانا فرديا، بل قد يكون منظومة آلية قادرة على شن آلاف المحاولات المتكيفة في وقت واحد. ولهذا فإن الاعتماد على الأساليب الدفاعية التقليدية وحدها لم يعد كافيا لمواكبة سرعة تطور هذه التهديدات وذكائها المتزايد.
استراتيجية من ثلاث ركائز
لمواجهة هذا الواقع، تقوم استراتيجية الدولة على ثلاث ركائز أساسية بحسب ما أعلنه المجلس. تتمثل الأولى في تحليل استخباراتي متقدم مكّن من تتبع نحو واحد وعشرين جماعة تهديد متطورة وستين جهة مرتبطة بشبكات القرصنة والجريمة السيبرانية، بما يتيح استباق الهجمات قبل وقوعها بدلا من مجرد رد الفعل بعدها.
أما الركيزتان الأخريان فتتعلقان بمراقبة التطبيقات المشفرة والأسواق السرية التي تباع فيها برامج الفدية والأدوات الخبيثة، إضافة إلى متابعة المحتوى المضلل المنتشر عبر الإنترنت. والهدف من ذلك ليس أمنيا فحسب، بل حماية ثقة الجمهور في المؤسسات الوطنية والأسواق من حملات التضليل التي قد تزعزع الاستقرار.
البيانات في قلب المعركة
يبقى العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو البيانات الشخصية للأفراد. فقد كشف تحذير صادر عن مجلس الأمن السيبراني أن نحو ربع الملفات المتاحة للعموم على الإنترنت تحتوي على بيانات شخصية حساسة، وهو ما يمثل ثغرة كبيرة يمكن أن يستغلها المهاجمون في عمليات ابتزاز أو احتيال أو سرقة هوية.
ولهذا البعد أثر اقتصادي مباشر يتجاوز الجانب التقني، فالتهديدات السيبرانية المتصاعدة أصبحت عاملا مؤثرا في ثقة المستثمرين واستقرار الأنظمة المالية. فأي اختراق كبير لا يكلف الجهة المستهدفة أموالا فحسب، بل قد يهز صورة الدولة كمركز رقمي آمن وجاذب لرؤوس الأموال والشركات العالمية.
أمن رقمي لا يتوقف
تدرك الإمارات أن الأمن السيبراني ليس مشروعا ينتهي عند حد معين، بل سباق دائم يتطلب تطويرا مستمرا للكفاءات المحلية والتقنيات الدفاعية والتعاون الدولي لتبادل المعلومات حول التهديدات العابرة للحدود. فالمعركة الرقمية بطبيعتها لا تعرف حدودا جغرافية ولا تتوقف عند ساعات عمل محددة.
يبقى التحدي الأكبر في الموازنة بين انفتاح الاقتصاد الرقمي الذي يقوم على السرعة والاتصال، وبين متطلبات الحماية التي تفرض قدرا من الحذر والرقابة. وعلى قدرة الدولة في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق يتوقف إلى حد بعيد نجاح رهانها الكبير على أن يكون المستقبل رقميا وآمنا في آن واحد.

Keep following ريم الخطيبHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow