تستورد السعودية نحو ثمانين في المئة من غذائها وتنفق مليارات الريالات سنويا على ذلك. وضمن رؤية 2030، تحول المملكة هذا الاعتماد إلى استراتيجية طموحة للأمن الغذائي تجمع بين الزراعة المحمية والاستثمار العالمي وترشيد المياه وتقليل الهدر.
بلد يستورد معظم غذائه
تعتمد المملكة بشكل كبير على الخارج في تأمين حاجاتها الغذائية الأساسية. فوفق تقارير متخصصة، تستورد السعودية نحو ثمانين في المئة من غذائها من مختلف أنحاء العالم. هذا الرقم اللافت يعكس طبيعة الأرض والمناخ الجاف الذي يحد من قدرة الزراعة المحلية على تغطية الطلب المتنامي. ومع ارتفاع عدد السكان وتحسن مستوى المعيشة، يزداد الضغط على سلاسل الإمداد القادمة من الخارج عاما بعد عام.
فاتورة الاستيراد الضخمة
لا يأتي هذا الاعتماد على الاستيراد دون ثمن باهظ يدفعه الاقتصاد الوطني كل عام. فبحسب التقديرات المتداولة، تنفق المملكة سنويا ما يتراوح بين مئة ومئة وعشرين مليار ريال على استيراد الغذاء وحده. وهو مبلغ ضخم يجعل أي اضطراب في الأسواق العالمية مصدر قلق مباشر للأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي. ولهذا فإن ترشيد هذه الفاتورة وتنويع مصادرها أصبح هدفا اقتصاديا لا يقل أهمية عن تنويع مصادر الدخل.
من نقطة ضعف إلى استراتيجية
بدلا من النظر إلى الاعتماد على الاستيراد بوصفه نقطة ضعف دائمة لا فكاك منها، اختارت المملكة تحويله إلى استراتيجية مدروسة. فقد أعادت رؤية 2030 صياغة الملف بالكامل، ساعية إلى ضمان توافر الغذاء واستقرار أسعاره في آن واحد. والفكرة الجوهرية هي أن الأمن الغذائي لا يعني بالضرورة الاكتفاء الذاتي الكامل، بل القدرة على تأمين الغذاء بثبات مهما تقلبت الظروف. وهذا تحول في طريقة التفكير بقدر ما هو تحول في السياسات.
استراتيجية متعددة الطبقات
تقوم هذه الاستراتيجية على عدة طبقات متكاملة يعزز بعضها بعضا لتشكل شبكة أمان واسعة. فمن جهة، تسعى المملكة إلى الاستثمار في شركات غذائية عالمية واقتناء حصص استراتيجية فيها لتأمين حضورها في سلاسل الإمداد. ومن جهة أخرى، تعقد اتفاقيات توريد طويلة الأجل مع دول منتجة للحبوب وغيرها من السلع الأساسية. ويضاف إلى ذلك ضخ استثمارات كبيرة في قدرات التصنيع والتخزين داخل البلاد لتقليل الاعتماد على الواردات الجاهزة.
الزراعة في قلب الصحراء

يبقى إنتاج الغذاء محليا هو التحدي الأصعب في بيئة صحراوية شحيحة المياه بطبيعتها. ومع ذلك، تشهد الزراعة السعودية تطورا لافتا يقوم على التقنية أكثر من اعتماده على المساحات الشاسعة. فالمزارع الحديثة تركز على محاصيل ذات قيمة عالية وكفاءة في استهلاك المياه بدلا من الزراعات التقليدية المستنزفة للموارد. وهكذا يتحول جزء من الأرض القاحلة تدريجيا إلى مصدر حقيقي للخضار الطازجة على مدار العام.
ثورة الزراعة المحمية
يمثل ما يعرف بالزراعة المحمية القطاع الأسرع نموا في المشهد الزراعي السعودي اليوم. ففي مدن مثل الرياض وجدة ومشروع نيوم، تنتشر المزارع العمودية والبيوت المحمية المتطورة بوتيرة متسارعة. وتنتج هذه المنشآت خضارا ورقية وأعشابا وطماطم وحتى أنواعا من التوت موجهة للسوق المحلية مباشرة. وميزتها الكبرى أنها تستهلك كميات أقل بكثير من المياه مقارنة بالزراعة المكشوفة في العراء.
الماء، التحدي الأكبر
لا يمكن الحديث عن الغذاء في السعودية بمعزل عن قضية المياه التي تمثل جوهر التحدي كله. فالمملكة من أكثر دول العالم فقرا في الموارد المائية المتجددة، وتعتمد بشكل كبير على تحلية مياه البحر والمخزون الجوفي. ولهذا فإن أي استراتيجية غذائية ناجحة يجب أن تكون في صميمها استراتيجية لترشيد استهلاك المياه. وهذا ما يفسر التخلي التدريجي عن زراعة محاصيل شديدة الاستهلاك للماء مثل القمح على نطاق واسع.
أرقام قياسية للقطاع الزراعي
رغم كل هذه القيود الطبيعية، يحقق القطاع الزراعي السعودي نتائج تفوق التوقعات المرسومة له. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للزراعة نحو مئة وأربعة عشر مليار ريال في عام 2024، وهو رقم قياسي تجاوز المستهدفات المرحلية. وتطمح الرؤية إلى مضاعفة الإنتاج الزراعي بحلول عام 2030 مقارنة بسنواتها الأولى. وهذه الأرقام تعكس أن الرهان على التقنية والاستثمار قد بدأ يؤتي ثماره على أرض الواقع.
الحرب على هدر الطعام
لا يقتصر الأمن الغذائي على زيادة الإنتاج فحسب، بل يشمل أيضا الحفاظ على ما هو متوافر بالفعل. فكميات كبيرة من الطعام تضيع سنويا بين الحقل والمائدة بسبب سوء التخزين والنقل والعادات الاستهلاكية. ولهذا وضعت الرؤية هدفا طموحا يقضي بخفض هدر الغذاء وفقده بنحو النصف بحلول عام 2030. وتقليل هذا الهدر يعادل عمليا إضافة مصدر جديد للغذاء دون الحاجة إلى زراعة متر مربع إضافي واحد.
استقرار الأسعار على المائدة
في نهاية المطاف، يقاس نجاح كل هذه السياسات بما يشعر به المواطن العادي عند شرائه لحاجياته اليومية. فالهدف المعلن ليس فقط توافر الغذاء، بل استقرار أسعاره بحيث لا تتأرجح فجأة وترهق ميزانيات الأسر البسيطة. وحين تبقى أسعار الخضار والفواكه في متناول الجميع، يكون ذلك أوضح دليل على متانة المنظومة الغذائية. فالأسواق الشعبية تظل المرآة الأصدق لحال الاقتصاد وحياة الناس.
دروس من الأسواق العالمية
علمت السنوات الأخيرة الجميع أن أسعار الغذاء العالمية قابلة للانفجار في أي لحظة ودون سابق إنذار. فقد شهد العالم موجات ارتفاع حادة في أسعار الحبوب الأساسية، إذ قفزت تكلفة القمح بشكل كبير خلال عام 2022 على سبيل المثال. ومثل هذه الصدمات تذكر الدول المستوردة دائما بهشاشة اعتمادها على مصدر واحد أو سوق واحدة. ومن هنا تكتسب استراتيجية تنويع المصادر وبناء المخزونات الاحتياطية أهميتها القصوى.
نحو غذاء المستقبل
تبدو معركة الأمن الغذائي في السعودية أشبه بسباق طويل النفس يجمع بين التقنية والسياسة والاقتصاد معا. فالمملكة تحاول أن تصنع توازنا دقيقا بين الاستيراد الذكي والإنتاج المحلي وترشيد الموارد الشحيحة. ونجاحها في ذلك لن ينعكس على موائد السعوديين فحسب، بل قد يقدم نموذجا تحتذي به دول أخرى تشبهها في اعتمادها على الاستيراد. وفي النهاية، يبقى رغيف الخبز وطبق الخضار مقياسا حقيقيا لصلابة أي اقتصاد.
مقال مفيد جدا عن الأمن الغذائي.
تحليل جيد لـ الأمن الغذائي.
الأمن الغذائي: شرح واضح وجيد.
أتفق تماما.
نقطة جيدة.
صحيح جدا.
بالضبط.

Keep following حسن المصريHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow