تراهن السعودية على موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا لتصبح مركزا لوجستيا عالميا ضمن رؤية 2030. من ميناء جدة إلى الجسر البري وخطوط السكك الحديدية الجديدة، تتشكل بنية تحتية جديدة قد تعيد رسم مسار البضائع والأسعار.
أرصد عادة أسعار الخضار في السوق لأنها تكشف حال الناس، لكن قصة السعر لا تبدأ عند البسطة، بل على طرق التجارة البعيدة التي تحمل البضائع عبر البحار والقارات. وفي هذه النقطة بالذات تضع السعودية رهانا كبيرا، إذ تريد أن تتحول من دولة تمر البضائع بجوارها إلى محطة رئيسية يتوقف عندها العالم، وتصبح حلقة أساسية في سلاسل الإمداد الدولية.
موقع في قلب العالم
تبدأ الحكاية من الجغرافيا التي وهبت المملكة موقعا استثنائيا عند ملتقى ثلاث قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا. فبحسب البيانات المتداولة، يمر نحو 13 في المئة من التجارة العالمية بالقرب من هذا المحيط الجغرافي، وهو رقم ضخم يعني أن جزءا كبيرا من بضائع الكوكب يعبر أو يقترب من مياه وموانئ ترتبط مباشرة بالمملكة، وهي ميزة يصعب على كثير من الدول أن تضاهيها.
ركيزة جديدة في رؤية 2030
لم تعد الخدمات اللوجستية نشاطا هامشيا، بل صارت ركيزة معلنة من ركائز التنويع الاقتصادي في رؤية 2030. فقد وضعت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية هدفا صريحا يتمثل في جعل المملكة ضمن أفضل عشرة مراكز لوجستية على مستوى العالم. وهذا الطموح ليس شعارا فحسب، بل يترجم إلى استثمارات ومشروعات ضخمة في الموانئ والسكك والطرق والمناطق الصناعية.
ميناء جدة، البوابة الكبرى

في قلب هذه المنظومة يقف ميناء جدة الإسلامي على ساحل البحر الأحمر، وهو الأكبر والأكثر ازدحاما في المملكة. فمن خلاله يمر الجزء الأكبر من واردات الحاويات، ويعمل بوابة رئيسية للبضائع المتجهة إلى المنطقتين الغربية والوسطى. وأي تطوير في هذا الميناء لا يبقى حبيس أرصفته، بل ينعكس على سرعة وصول السلع وعلى تكلفتها التي يتحملها المستهلك في نهاية المطاف.
من ساعات إلى دقائق
أحد أوضح مؤشرات التحول يكمن في سرعة الإجراءات على الحدود والموانئ. فبحسب ما أعلن، جرى تقليص زمن التخليص الجمركي من نحو تسع ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. هذا الاختصار الكبير في الوقت ليس تفصيلا تقنيا، لأن كل ساعة تنتظرها البضاعة في الميناء تعني تكلفة إضافية، ومن ثم فإن تسريع الإفراج عنها يخفض الأعباء على التجار والمستوردين.
السكك الحديدية تربط البحار
لا يكتمل أي مركز لوجستي من دون شبكة نقل داخلية قوية تربط الموانئ بالمدن والأسواق. ولهذا أطلقت الخطوط الحديدية السعودية خمسة مسارات لوجستية جديدة تهدف إلى تحسين كفاءة سلاسل الإمداد ودمج وسائل النقل المختلفة. وتربط هذه المسارات موانئ الخليج العربي بالمناطق الوسطى والشمالية في المملكة، وتمتد نحو البحر الأحمر ودول الجوار الشمالية، لتشكل شبكة متصلة عبر البلاد.
الجسر البري بين الخليج والبحر الأحمر
من أكثر المشروعات طموحا فكرة الجسر البري الذي يهدف إلى وصل ساحل الخليج العربي بساحل البحر الأحمر عبر السكك الحديدية. ومعنى ذلك أن البضاعة القادمة من آسيا تستطيع أن تعبر شبه الجزيرة العربية برا نحو أوروبا وأفريقيا، من دون الحاجة إلى الدوران الطويل حول القارة. مثل هذا الممر يختصر الزمن والمسافة، ويمنح المملكة دورا محوريا في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
لماذا يهم هذا الناس العاديين
قد تبدو هذه المشروعات بعيدة عن هموم المواطن اليومية، لكنها في الحقيقة قريبة جدا من جيبه ومائدته. فكلما صارت سلاسل الإمداد أسرع وأرخص، انخفضت تكلفة نقل الغذاء والدواء والسلع، وهو ما ينعكس بمرور الوقت على الأسعار في الأسواق. كما أن هذا القطاع يخلق فرص عمل مباشرة في الموانئ والنقل والتخزين، ووظائف غير مباشرة في الصناعة والتجارة المرتبطة به.
اقتصاد ما بعد النفط
يمثل هذا الرهان جزءا من صورة أكبر عنوانها بناء اقتصاد لا يعتمد على النفط وحده. فالخدمات اللوجستية قطاع ينتج دخلا وفرص عمل من دون أن يستهلك برميلا واحدا من المخزون، وهو بالضبط نوع النشاط الذي تسعى الرؤية إلى تنميته. وقد أعلن عن استثمارات بحرية تتجاوز 25 مليار ريال، في إشارة إلى حجم الجدية التي تتعامل بها الدولة مع هذا الملف الحيوي.
أرقام تعِد بمستقبل
تشير التقديرات المتداولة إلى أن الخدمات اللوجستية المرتبطة بهذه الممرات قد تولد بحلول عام 2035 نشاطا اقتصاديا سنويا يقدر بنحو ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار. وحتى إذا تعاملنا مع مثل هذه التوقعات بحذر، فإنها ترسم اتجاها واضحا، إذ يتحول الموقع الجغرافي من مجرد ميزة على الخريطة إلى مصدر دخل حقيقي يضاف إلى الاقتصاد الوطني عاما بعد عام.
تحديات على الطريق
غير أن الطريق إلى صدارة المراكز اللوجستية ليس مفروشا بالورود. فالمنافسة الإقليمية شديدة، وهناك موانئ راسخة في دول الجوار بنت سمعتها على مدى عقود. كما أن نجاح هذه المشروعات يتطلب تنفيذا دقيقا وحوكمة عالية وقدرة على التكيف مع تقلبات التجارة العالمية. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل الخطط والأرقام الطموحة إلى واقع يعمل يوميا بكفاءة على الأرض.
خلاصة على رصيف الميناء
حين أعود إلى السوق وأنظر إلى أسعار الخضار، أدرك أن خلف كل رقم صغير سلسلة طويلة من السفن والموانئ والقطارات. ورهان المملكة على أن تصبح مركزا لوجستيا عالميا هو في جوهره رهان على تقصير هذه السلسلة وجعلها أرخص وأكثر موثوقية. وإذا نجح المشروع، فإن أثره لن يقاس بالأرقام الكبيرة وحدها، بل بما يصل فعلا إلى رصيف السوق وطاولة المواطن.

Keep following حسن المصريHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow