تشهد الإمارات موجة متسارعة من إطلاق عملات رقمية مستقرة مدعومة بالدرهم، تصدرها بنوك ومؤسسات كبرى تحت إشراف المصرف المركزي، لتضيف طبقة جديدة إلى نظامها المالي الرقمي إلى جانب الدرهم الرقمي للبنك المركزي.
لم تعد الإمارات تكتفي بالحديث عن مستقبل المال الرقمي، بل بدأت فعليًا في بنائه على أرض الواقع. فإلى جانب الدرهم الرقمي الذي يصدره البنك المركزي، تتصاعد اليوم موجة من العملات المستقرة المدعومة بالدرهم والتي تطلقها بنوك ومؤسسات مالية كبرى داخل الدولة، لتشكّل طبقة جديدة تمامًا من النظام المالي.
خلال الأشهر الأخيرة، حصل عدد من هذه العملات على موافقات تنظيمية أو أُطلق رسميًا، وجميعها مربوط بقيمة الدرهم بنسبة واحد إلى واحد وخاضع لإشراف المصرف المركزي. وبذلك تتحول الإمارات إلى ما يشبه المختبر الإقليمي لتجربة المال الرقمي المنظّم بعيدًا عن فوضى العملات المشفرة غير الخاضعة للرقابة.
ما الفرق بين الدرهم الرقمي والعملات المستقرة؟
قد يختلط الأمر على الكثيرين بين مفهومين متقاربين. فالدرهم الرقمي هو عملة يصدرها البنك المركزي نفسه وتُعد نقودًا رسمية للدولة بصيغتها الرقمية. أما العملات المستقرة فتصدرها بنوك ومؤسسات خاصة، لكنها مدعومة بالكامل باحتياطي من الدرهم وتعمل ضمن إطار تنظيمي يشرف عليه المصرف المركزي بشكل مباشر.
تكمن قيمة هذه العملات المستقرة في كونها قابلة للبرمجة وسريعة الحركة وتعمل على تقنيات سلاسل الكتل. وهذا يجعلها أداة مفيدة في عمليات التسوية بين المؤسسات وإدارة السيولة وتمويل سلاسل الإمداد، فضلًا عن المدفوعات العابرة للحدود التي تشكّل عصب الاقتصاد الإماراتي المنفتح على العالم.
لاعبون كبار يدخلون الميدان

من أبرز هذه المشاريع عملة يُشار إليها باسم DDSC أو الدرهم الرقمي المستقر، وهي تصدر عن تحالف يضم الهلال جلوبال القابضة وشركة سيريوس الدولية القابضة وبنك أبوظبي الأول. وقد نالت موافقة المصرف المركزي، وبُنيت على تقنية سلسلة كتل من الطبقة الثانية، وتستهدف الاستخدامات المؤسسية والحكومية على نطاق واسع.
وفي مسار مواز، أطلق بنك زاند عملته المعروفة باسم زاند ديجيتال درهم، والتي توصف بأنها أول عملة مستقرة منظّمة متعددة السلاسل تعمل على شبكات بلوك تشين عامة. ويقول البنك إن هدفه من ذلك هو دمج العملة الوطنية الإماراتية ضمن أنظمة المدفوعات الرقمية العالمية على نطاق أوسع مما هو متاح اليوم.
من رسوم الحكومة إلى نقاط البيع
لا تقتصر هذه التجارب على المؤسسات الكبرى فقط، بل تلامس حياة الناس اليومية أيضًا. فعملة تُعرف باسم AE Coin باتت أول عملة مستقرة منظّمة يُسمح باستخدامها في سداد الرسوم الحكومية لدى جميع الجهات الاتحادية، عبر محفظة رقمية تتيح تحويل الدرهم مباشرة وإتمام المدفوعات عند نقاط البيع بسهولة.
كما دخل بنك رأس الخيمة الوطني على الخط، بعدما حصل على موافقة مبدئية من المصرف المركزي على إصدار رمزه الرقمي الخاص. وهذا الرمز بدوره مدعوم بالدرهم بنسبة واحد إلى واحد، مع حسابات احتياطي منظّمة تضمن أن يكون لكل وحدة رقمية ما يقابلها من قيمة حقيقية محفوظة بشكل شفاف وواضح.
لماذا الآن؟
يأتي هذا التسارع في إطار طموح الإمارات لترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا للأصول الرقمية والتكنولوجيا المالية. فالدولة تراهن منذ سنوات على بناء نظام مالي جاهز للمستقبل، والعملات المستقرة تمثّل حلقة أساسية في هذا المشروع لأنها تقلّص كلفة المدفوعات وتسرّع عمليات التسوية بشكل كبير وملموس.
ويشكّل إشراف المصرف المركزي عنصر الثقة الأهم في هذه المعادلة. فعلى عكس العملات المشفرة المتقلبة وغير المنظّمة، تخضع هذه العملات لإطار رقابي واضح وتكون مدعومة بالكامل بالدرهم، ما يمنحها مصداقية على مستوى المؤسسات ويجعلها أقرب إلى أدوات مالية موثوقة منها إلى مضاربات عالية المخاطر.
الفرص والتحديات
تتعدد الفرص التي تفتحها هذه الموجة. فالتسويات الأسرع والأرخص وتمويل سلاسل الإمداد وتسهيل التجارة العابرة للحدود كلها مكاسب محتملة لدولة تُعد مركزًا تجاريًا عالميًا. كما يمكن لهذه العملات أن تعزّز حضور الدرهم في التجارة الرقمية وتجذب مزيدًا من شركات التكنولوجيا المالية إلى الدولة.
لكن الطريق لا يخلو من تحديات حقيقية. إذ يتعين على التنظيم أن يواكب سرعة الابتكار، كما تبرز مسألة التوافق بين العملات المستقرة المتعددة حتى لا يتشظى المشهد إلى رموز متنافسة يصعب التعامل بينها. ويبقى ضمان شفافية الاحتياطيات وإدارة المخاطر شرطًا أساسيًا لاستمرار الثقة في هذه المنظومة.
نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد
مع اجتماع الدرهم الرقمي للبنك المركزي وهذه العملات المستقرة معًا، تخطو الإمارات نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد الورقي، تتحرك فيه الأموال بشكل فوري وقابل للبرمجة. وينسجم هذا التوجه مع استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الاقتصاد والاعتماد على التكنولوجيا محركًا رئيسيًا للنمو المستدام.
في النهاية، لا تكتفي الإمارات بتبنّي المال الرقمي، بل تحاول أن تنظّمه وتقوده في آن واحد. ويبقى السؤال المطروح هو كيف ستتعايش هذه الرموز المتعددة مع الدرهم الرقمي الرسمي، وهل ستتلاقى في منظومة واحدة متماسكة أم ستظل جزرًا منفصلة. إجابة ذلك ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
سياق جيد حول المصرف المركزي.

Keep following خالد المنصوريHer next filing reaches you the moment it publishes, on her own subdomain.
Follow